الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

"نكبة" الرواية الفلسطينية بين التحسر المدمر والثورة

"نكبة" الرواية الفلسطينية بين التحسر المدمر والثورة

تاريخ النشر: 2016-10-09 | 09:44

ليس ثمة جديد في الإشارة إلى الأدوار المُعقدة والمُركبة التي تلعبها الأسطورة في تشكيل الهويات القومية الحديثة. كل قومية إثنية أو دينية احتاجت وتحتاج إلى جملة من الأساطير كي تبني عليها هويتها: تهاجر إلى الماضي، حتى لو كان ماضياً قريباً، لتبحث في اركيولوجيا التاريخ المنسي عن حدث هنا، أو بقايا معركة هناك، فتجلبها إلى الحاضر بكل قوة ومبالغة، وتحولها عماداً لما تريد تعزيزه وأدلجته. فجأة تصير لملمة شظايا وقائع وشبه وقائع متناثرة مكانياً وغير مترابطة زمنياً «تأريخاً» عضوياً ومتسلسلاً مكرساً للقومية المعنية، أو للأيديولوجيا، أو للفكرة المتوترة التي تبحث عن عراقة وشرعية مفقودتين. كتابات المفكرين الذين تأملوا في الآليات المدهشة لتصنيع الهويات، منهم جان لوك، ارنست رينان، بندكت اندرسون، هيو سيتون واتسون، ارنست غلنر، اريك هوبوزبوم، تشير إلى كيف يُفبرك التأريخ المُتخيل أمجاداً وبطولات وهويات لا قاسم بينها سوى الاصطناع والانتقائية والعلوية المُفترضة. من دون اختراع وإعادة اختراع أساطير الماضي، البعيد والقريب أيضاً، لا تقوم قوميات وهويات الحاضر، وعلى وجه التحديد الصلدة منها والمتوترة. هذه الأخيرة على وجه التحديد لا تعتاش إلا على تخليق عدو خارجي تظل تستثمر تهديداته سواء الحقيقية أو المتخيلة، كما نظر يوهان فيخته البروسي في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وذلك بهدف استنفار ميكانزمات الدفاع الجمعوي لقومية معينة بما يبقي هويتها دائمة الحضور وحادة القسمات.

المثال الأبرز سطوعاً هو القومية والهوية «الإسرائيلية» التي نبش مخترعوها وما زالوا ينبشون كل زوايا التاريخ لتخليق علاقة قوموية وهوياتية ودينية وارتباطية بفلسطين. الفلسطينيون لم يحتاجوا إلى ذلك الرحيل المضني في التاريخ لإثبات ذاتهم الجماعية وعضوية علاقتها بالأرض. لم يكن هناك هوس مرضيّ بقصة الهوية والقومية، وغياب ذلك الهوس هو البرهان الأكثر سطوعاً على عفوية وعمق العلاقة بالمكان. ضربة محراث الفلاح البسيط في الأرض كانت تختصر الحكاية، فيضيق صدر المهاجر اليهودي الأوروبي الذي يلبس بدلة وربطة عنق ويراقبه من وراء السلسلة الحجرية، فيشعر بالغربة والسرقة: من توصيف، على سبيل الأمثلة فقط، اميل حبيبي في المتشائل» إلى المشاهد الأخاذة لإبراهيم نصر الله في «زمن الخيول البيضاء»، وليس انتهاءاً بالتقاطات ربعي المدهون في «كونشيرتو النكبة والهولوكوست». في مشهد دراما المقارنة الجماعية هذا لم يكن الفرق الرهيب بين «حداثة المهاجر» و «محلية» الفلاح ليبعث على الاطمئنان الهوياتي في دواخل اليهود الأوروبيين، رغم ما يوفره هذا المشهد من إحساس حاسم بالتفوق المادي والعسكري. في قلب المحلية وعفوية الارتباط بالأرض وربما اللامبالاة الساذجة إزاء الغرباء والتي وسمت الفلاح، كان ثمة تجذر عميق أقلق ديفيد بن غوريون وعذبه، وهو يجول في الأرض مُدعياً تملكها الحاضر وامتداد ذلك التملك في التاريخ. كان مشهد الفلاحين الفلسطينيين وهم يحرثون أرضهم، بلباسهم التقليدي، ومحاريثهم البسيطة، لا يحتاج إلى تقعر تاريخي وأسطوري ينتحر يأساً لتأسيس علاقة عضوية بفلسطين. بن غوريون قادته الرغبة الفاضحة في الالتفاف على القلق الوجودي الذي بعثه فيه مشهد فلاحي فلسطين إلى إطلاق مقولة مُنهِكة ومُنتهِكة للتاريخ في شكل فج ملخصها أن فلاحي فلسطين وآباءهم وأجدادهم وكل أسلافهم ليسوا إلا يهوداً قدامى، تعود جذورهم «لليهود الأصليين الذين كانوا في فلسطين» لكنهم تحولوا إلى العروبة والإسلام في مراحل لاحقة من التاريخ!

في التأريخ للهوية الفلسطينية الحديثة تأتي النكبة لتلعب دوراً ملتبساً في إعادة التشكيل، ليست أسطورة، وليست ماضياً بعيداً، أو تاريخاً مشكوكاً فيه. حدث حقيقي، ممهور بالدم والمأساة والحسرة، ثم الثورة. على عكس الأسطورة الماضوية المُستدعاة قسراً لتخليق هوية راهنة، تحضر النكبة كواقع تاريخي طازج وحار يفيض بالراهنية، ويعمل على تشكيل وإعادة تشكيل هوية استفزت للدفاع عن حضور أصحابها. على هذا، تتموضع النكبة كواقعة وسيرورة وكارثة ورافعة تاريخية في قلب كل ما له علاقة بفلسطين الحديثة، وفلسطينييها، وتاريخها، وتحولاتها. وفي كثير من المقاربات تواجهنا مفارقة حقيقية، ذلك أننا كلما اعتقدنا تعقلاً أعمق لواقعة النكبة، كحدث مأسوي مؤسس في التاريخ الفلسطيني، والهوية الفلسطينية، والتاريخ العربي الحديث، والهوية العربية، اكتشفنا خطأ ما اعتقدناه.

النكبة تحولت إلى شيء معقد في الوجدان والوجود الفلسطيني: وهي خليط من أشياء. هي حدث حقيقي تناسل عنه واقع وترتب عليه هجرة وتهجير، وقيام دولة للعدو الذي تسبب في النكبة. وهي زمن بواباتي مركزي أغلق حقبة وفتح حقباً أخرى تختلف تاريخياً، وسياسياً، وفكرياً، واجتماعياً، ووجدانياً. هي أهزوجة حزينة للجيل الذي ذاق مرارتها مباشرة. وهي الترتيل الليلي لفاجعة جماعية على وطن ضاع. هي الصدمة النهارية الدائمة للواقع الجديد. ثم هي بداية التمرد على الذات الجمعية التي سلمت قرارها لقيادات رخوة محلية أو عربية، فكان أن اكتملت الكارثة على أيديها. بذلك التمرد تحولت كارثية وتحسرية النكبة إلى طاقة فدائية وثورية أرادت أن تمحو العار، وتعيد صوغ الزمن. لكن تذرى جزء كبير من تلك الطاقة، أو كمن. صارت النكبة صندوق الذاكرة المليء بالمتناقضات: بالحنين إلى ماض لا يعود، بالهزيمة، بالتراخي، بالبساطة والسذاجة، بالجهل والتسرع في مغادرة الوطن، بجلد الذات ولومها وتحميلها جزءاً من مسؤولية ضياع البلاد، وبالنقمة على الشقيق الذي تخاذل عن المناصرة، أو قدمها مشلولة وشالة.

يولد عن النكبة عشية وقوعها أحد أكثر الوجوه الملتبسة والمكثفة والمحيرة في السردية الفلسطينية: المخيم. المخيم في لحظة ولادته كان عملياً ابن السفاح للجريمة التاريخية، كريهاً ومنقوماً عليه. كان البديل البشع والكالح للأمس الجميل والبرتقالي. اتساع أفق البيارات والبحر والقرى والجبال أُغلق فجأة وانحشر هو والناس في خيم ضيقة كئيبة، باردة، وغريبة. ظل المخيم وساكنوه محقونين بالصدمة والحزن والنقمة. بعدها بسنوات انتفض المخيم على ذاته التراجيدية التي لم يكن هو السبب في نشوئها، وفي قلبه تولدت الفدائية والثورة، ربما بمنطق ديالكتيك هيغلي مُدهش. انتفض اللقيط على من تسبب في مصيره، وصار المخيم في الوجدان الفلسطيني صنو الكفاح والصمود وإعادة تشكيل الذات. كاد المخيم يستولي على الهوية ويتماهى معها، رغم انه كبنية ثقافية وتاريخية واجتماعية واقع طارئ يجب أن يزول. لكن الالتباس ظل قائماً حتى هذه اللحظة. لنتأمل وقع وجرس أسماء المخيمات: مخيم الدهيشة، مخيم الامعري، مخيم الجلزون، مخيم الشاطئ، مخيم جباليا، مخيم البقعة، مخيم الوحدات، مخيم صبرا، مخيم شاتيلا، مخيم تل الزعتر، مخيم اليرموك. لنستمع ثانية لجرس، أو هل أقول موسيقى، تلك الأسماء ونتأمل الالتباس الذي تتركه والتداعيات التي تولدها في دواخلنا.

أمام كل هذا الالتباس النكبوي وما تولد عنه من التباس مخيماتي، وقف الإبداع الروائي الفلسطيني يتأمل ويفكك وينخرط. مركزية النكبة في أوجه الإبداع الفلسطيني لا تحتاج إلى تدليل أو شواهد، وكذا مركزية ابنها المخيم: اللقيط أولاً والمنتزع شرعية الأبوة ثانياً. توزع معظم ذلك الإبداع على مقاربة جوانب الكارثية، والحزن، والحنين، وأقله على جوانب النقمة والتأمل في المسؤولية الذاتية، والثورة على الذات والآخر. وقصر كثيره في الغوص في محرمات «نكبوية» لا تزال في حاجة إلى جرأة للتناول مثل هجرة ولجوء أهالي قرى وأرياف عديدة من دون أي صدامات عسكرية بل خوفاً من وصول المنظمات العسكرية الصهيونية وجنودها، مضحين بالأرض حفاظاً على العرض! تناول تلك المحرمات روائياً ودرامياً صار أمراً ضرورياً، لأن فيه درساً راهناً كبيراً يشير إلى ضرورة البقاء، البقاء في الأرض رغم أي حدث وأي نكبة.

 عن الحياة اللندنية

×
أخبار
تركيا وحرب إيران: الهندسة العسكرية لردع مزدوج وتبلور «القطب الإقليمي الثالث» و س ج: إدارة ترامب ستفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية أ ف ب: تحالف سبعة تنظيمات مسلحة معارضة للإطاحة بالحكومة في إثيوبيا بعد الهزيمة التاريخية في انتخابات ولايات ألمانية..ميرتس يتعهد بالمضي قدماً في الإصلاحات "ذا نيويوركر" تسلط الضوء على "قطر غيت" وشبكات النفوذ في مكتب نتنياهو صحيفة سويسرية: خطة ألمانية قد تؤدي لترحيل نصف مليون سوري تقرير: سيناريو استخباراتي يُثير مخاوف دول الخليج وتركيا حال سقوط نظام إيران عبد العاطي لوفد المنظمات اليهودية الأمريكية: نرفض أية محاولات لتهجير الفلسطينيين وثيقة سرية: روسيا وإيران توسعان قنوات مالية وتجارية للالتفاف على العقوبات رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل ميلوني تعلن إجراءات جديدة في المدارس الإيطالية بينها حظر النقاب هرتسوغ كان يعرف ما الذي يفعله عندما أصدر عفوًا عن عزاريا قبل أقل من 40 يومًا من الانتخابات  وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط