تاريخ النشر: 2026-09-21 | 15:06
تاريخ النشر: 2026-09-21 | 15:06
مقدمة استراتيجية: حرب البقاء المستمرة في ظل تداعيات الميدان
تتواصل فصول الصراع الوجودي في إيران بمعزل عن خمول الجبهات الخارجية، لتكشف عن مواجهة محتدمة بين المجتمع الإيراني ونظام ولاية الفقيه. وفي هذا السياق الاستراتيجي، عُقد في العاصمة الألمانية برلين يوم 31 أغسطس 2026 مؤتمر موسع تحت عنوان "دعم الحل الديمقراطي في إيران"، بدعوة من اتحاد الجاليات الإيرانية في ألمانيا وأعضاء اللجنة الألمانية للتضامن من أجل إيران حرة.
شهد المؤتمر مشاركة بارزة لنخبة من النواب البرلمانيين، والخبراء القانونيين، والشخصيات الحقوقية والدينية، من بينهم كارستن مولر رئيس لجنة الشؤون القانونية في البرلمان الاتحادي الألماني، ويواكيم روكر الرئيس السابق لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، إلى جانب دبلوماسيين وقضاة سابقين. وقد سلط هذا الحضور النوعي الضوء على عمق الأزمة السياسية في إيران، مترجماً قناعة دولية متنامية بأن استقرار المنطقة مرتبط ارتباطاً وثيقاً بسقوط المنظومة الاستبدادية الحاكمة في طهران.
رسالة مريم رجوي: المعركة الحقيقية بين الشعب والنظام الكهنوتي
تصدّرت أعمال المؤتمر كلمة مفصلية وجهتها زعيمة المعارضة الإيرانية مريم رجوي، والتي ركزت فيها على تفكيك طبيعة المرحلة الراهنة، مشددة على أن خمود نيران الحروب الإقليمية لا يعدو كونها قوقعة مؤقتة تحجب خلفها حرباً ضروساً لا تتوقف بين الشعب الإيراني والنظام الكهنوتي. وأشارت الرسالة إلى أن النظام يعتمد استراتيجية أمنية قوامها تكثيف عمليات الإعدام، واستغلال أجواء التوتر لإبقاء عناصر الحرس والمليشيات في الشوارع، في محاولة يائسة لوأد الانتفاضات المتتالية.
وفي دلالة واضحة على حجم الهلع الرسمي، أشارت البيانات والتقارير المقدمة إلى تصريحات وزير خارجية النظام عراقجي، والتي اعترف فيها علناً بأن "الشارع هو ما أبقى النظام، بخلاف الصواريخ". يكشف هذا الاعتراف أن النظام يدرك تمام الإدراك أن بقاءه معلق بخيط رفيع اسمه السيطرة الأمنية الصارمة على الشارع، وأن صواريخه التي يتباهى بها عاجزة عن حمايته من غضب شعبه. وهو اعتراف استراتيجي يكشف هشاشة البنية الحاكمة وعجزها عن الاستمرار دون قبضة أمنية حديدية. كما تطرقت الكلمات إلى انتفاضة يناير 2026 التي امتدت إلى 192 مدينة، وما رافقها من قمع دموي وثقته منظمات دولية كسرت حاجز الصمت الأممي.
المأزق القيادي والانقسام في هرم السلطة: بين شقاق الاتفاق وحتمية السقوط
يواجه رأس الهرم السياسي في طهران مأزقاً استراتيجياً لا مهرب منه، تجسد في حدة الانقسامات غير المسبوقة بين أجنحة السلطة. فالنظام الإيراني محاصر بمعادلة صفرية؛ إذ يرى الجناح المتشدد أن أي تراجع أو توقيع لاتفاقيات تسوية دولية — مثل مذكرة التفاهم المبرمة مع الولايات المتحدة في 17 يونيو 2026 — سيعصف بما تبقى من هيبة النظام ويؤدي إلى انهياره السريع. وفي المقابل، يعترف الجناح الإصلاحي بإن الإدارة بمعزل عن التوافقات الخارجية باتت مستحيلة، مما يعكس حالة التخبط والعجز عن إدارة الدولة.
هذا الصراع العبثي على السلطة يتزامن مع ضغوط معيشية غير مسبوقة يديرها ما يُعرف بـ "جيش الجياع"، حيث يتصاعد الغضب الشعبي جراء الانهيار التاريخي للعملة والتضخم الكارثي. وقد أثبتت التقارير الواردة من مراكز الرصد أن سياسات النهب المنظم التي تمارسها المؤسسات الاقتصادية التابعة للولي الفقيه قد دفعت الملايين إلى صفوف المواجهة المباشرة، لتتحول الأزمات المعيشية إلى وقود للثورة الشاملة.
البديل الديمقراطي وخطة النقاط العشر: الإجابة العملية لفراغ السلطة
ناقش المؤتمر التحديات التي تعرقل مسار التغيير في إيران، وفي مقدمتها قصور السياسات الأوروبية التي لا تزال تراهن على أوهام التسوية مع نظام متوحش، فضلاً عن الدور التخريبي الذي تلعبه بقايا دكتاتورية الشاه في محاولة لتشتيت صفوف المعارضة وبث الفرقة. وفي مواجهة هذه التحديات، برز الطرح السياسي للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية كخارطة طريق متماسكة لضمان انتقال سلمي ومنظم للسلطة.
ترتكز هذه الرؤية على تشكيل حكومة مؤقتة لمدة أقصاها ستة أشهر، تقتصر مهمتها على تنظيم انتخابات حرة لجمعية تأسيسية تسلم لها مقاليد السيادة، استناداً إلى "خطة النقاط العشر" التي تضمن الحريات الأساسية، وفصل الدين عن الدولة، وإقامة جمهورية ديمقراطية تعددية قائمة على سيادة الشعب. وقد أكد المشاركون في مؤتمر برلين أن وجود هيكل تنظيمي فاعل ومقاومة ميدانية راسخة — ممثلة في تصاعد عمليات وحدات المقاومة داخل المدن الإيرانية — يقدم الضمانة الأكيدة لمنع أي فراغ سياسي بعد السقوط الوشيك للديكتاتورية.
خاتمة تحليلية: نحو الحتمية التاريخية وسقوط الاستبداد
خلص المؤتمر إلى نتيجة استراتيجية حاسمة مفادها أن الاستبداد الديني في إيران قد استنفد كافة أوراق اعتماده، وأن محاولات القمع وترهيب الشارع لم تعد جديرة بإطالة عمر النظام. إن تلاحم النضال الميداني داخل المدن مع الزخم الدبلوماسي والسياسي للمعارضة الإيرانية في المحافل الدولية، يرسخ حقيقة أن التغيير الديمقراطي بات استحقاقاً تاريخياً لا رجعة فيه، معلناً قرب نهايات عصر ولاية الفقيه وولادة إيران الحرة المستقلة.