تاريخ النشر: 2026-10-28 | 14:04
تاريخ النشر: 2026-10-28 | 14:04
لم يأتني جندي...
لو كان جندياً لهان الحساب.
الذي أتاني في المنام كان قائدي.
راودني حلمٌ أمس، لم يكن حلماً، كان يوماً للقيامة مصغراً.
جاءني الذي علمنا كيف نعجن الحجارة في الانتفاضة الأولى. جاءني الذي كان يمسك يدنا ونحن أطفال حفاة ويقول: "لا ترمِ الحجر حقداً، ارمهِ حباً للأرض".
جاءني الرجل الذي كان يخاف على الدم الفلسطيني أكثر من خوفه على دمه، إذا سالت قطرة دم فلسطيني بسلاح فلسطيني، يبكي كأم ثكلى ويعلن الحداد ثلاثة أيام.
كان يعلمنا أن النضال ليس بندقية فقط، النضال أن تتفقد جارك قبل أن تتفقد ذخيرتك. أن تعرف أسماء أبناء الشهداء قبل أن تعرف أسماء الفصائل.
هو الذي علمنا أن فلسطين أكبر منا جميعاً.
جاءني البارحة في المنام، بنفس كوفيته التي لم تكن رمزاً بل كانت خيمة تسترنا، ونفس عينيه اللتين كانتا تراقباننا في الحارة ونحن نلعب، كأب يخشى على أولاده من الضياع.
جلس ولم يسلم. نظر إليّ طويلاً نظرة المعلم لتلميذ رسب في أهم امتحان.
ثم قال بلهجته التي لا أنساها:
"يا بني... ما حال غزة وفلسطين؟ ماذا فعلتم بعد أن سلمناكم الراية؟"
لم يقل "سلمتكم الراية حمراء". هو كان يعلم أن الراية ليست قماشاً، بل هي عهد. قال:
"أنا سلمتكم فلسطين موحدة في قلبي، سلمتكم شعباً واحداً يقسم رغيف الخبز ووجع الاعتقال وانتظار الشهيد على باب البيت. سلمتكم وصية واحدة كتبتها بدمي في الانتفاضة الأولى: لا تقسموا."
"فهل صحيح ما بلغني وأنا في مقعدي في الجنة؟"
وبدأ الحساب العسير، حساب المعلم الذي أفنى عمره يبني، ليجد تلاميذه قد هدموا.
قال:
هل صحيح أنكم قسمتم الوطن بدلاً من أن تتقاسموا لقمة العيش والوجع والألم؟
يا بني، أنا علمتكم أن نتقاسم الألم، فالألم إذا تقاسمناه صغر. كنا في الزنزانة نتقاسم حبة الزيتون ونضحك. كنا في الحصار نتقاسم رغيفاً يابساً ونقول: الحمد لله شبعنا معاً.
متى تعلمتم القسمة الأخرى؟ متى تعلمتم أن تقسموا الخارطة؟ أن ترسموا خطاً بين الأخ وأخيه وتقولوا: هنا وطن وهذا وطن آخر؟
أنا علمتكم أن الوطن لا يُقسم، الوطن يُحرر. فكيف جعلتموه مزرعتين؟
هل صحيح أنكم ذبحتم بعضكم ورفعتم السلاح ضد إخوانكم؟
وهنا ارتجف صوته لأول مرة. هذا الرجل الذي لم ترتجف يده يوماً أمام دبابة.
قال: يا بني، أنا قضيت عمري كله أمنعكم أن ترفعوا حجراً على أخيكم. كنت أقول لكم: دم الفلسطيني على الفلسطيني حرام، حرام، حرام كحرمة دمكم على الاحتلال.
كنت أوقف الاشتباكات في الحارة بجسدي. كنت أنام بين بيوت العائلات المتخاصمة حتى لا يطلق أحد النار.
قيل لي في الجنة أنكم قتلتم بعضكم في الشوارع التي علمتكم كيف تحموها. أن الأخ سحب أخاه من بيته وقتله باسم التنظيم. أن السلاح الذي جمعناه قرشاً قرشاً من عرق العمال ليقاتل المحتل، وجهتموه إلى صدور بعضكم.
يا بني، أنا لا أصدق. كذّبني. قل لي إنهم يكذبون عليّ في الجنة.
فماذا أقول له؟ كيف أكذّب على رجل هو الذي علمني الصدق؟
هل صحيح أنكم لم تعودوا تتفقدوا اليتيم والأرملة؟
يا بني، أتذكرون درسنا الأول؟ لم يكن كيف تصنع قنبلة مولوتوف، كان كيف تطرق باب أرملة شهيد دون أن يشعر بك أحد وتضع لها كيس الدقيق وتهرب كي لا تحرجها.
كنت أقول لكم: الثورة التي لا تحمي اليتيم ليست ثورة، عصابة.
قيل لي أن اليتيم اليوم ينام في العراء، وأن أرملة الشهيد التي كنا نقبل يدها، صارت تُذل على أبواب المساعدات، وأنكم تمرون بجانبها ولا ترونها لأنكم مشغولون بمواكبكم.
وهل صحيح... وهذا أوجعها... أنكم أوصلتم الشعب أن يصبح متسولاً؟
يا بني، هذا الشعب الذي علمني أنا النضال قبل أن أعلمكم. هذا الشعب الذي كانت نساؤه تبيع ذهبها لتشتري لنا سلاحاً. هذا الشعب الجبار الذي كان يضرب به المثل في الكرامة، حتى أن عدونا كان يحسده على كرامته.
هل صحيح أنكم علمتموه مد اليد؟ أنكم جعلتم الشاب الذي كان يحلم بتحرير يافا، يحلم اليوم بتصريح يخرج به ليجمع قوت يومه؟ أنكم جعلتم الأب الذي كان يرفع رأسه عالياً، يخفض رأسه أمام كاميرات الإغاثة؟
هنا لم أستطع. انهرت أمام قائدي كما لم أنهر أمام محقق.
قلت له: يا قائدي، يا أبي، والله ما خنا، لكننا ضعنا. كبر الكرسي في عيوننا حتى صغر الوطن. حفظنا خطاباتك عن ظهر قلب، ونسينا دموعك.
والله أننا اشتقنا لزمن كنت فيه تمر بيننا وتقول: "وحدوا الصف".
نظر إليّ، ومسح على رأسي كما كان يفعل في الانتفاضة الأولى ونحن نرتجف من البرد في الخيمة، وقال جملته الأخيرة التي أيقظتني مفزوعاً:
"يا بني، أنا لم أعلمكم كيف تموتون من أجل فلسطين، أنا علمتكم كيف تعيشون من أجلها معاً. فإذا لم تعيشوا معاً، فموتكم كله كان بلا معنى."
واستيقظت.
استيقظت وأنا أسمع صدى كلماته في بيتي، في شوارع المخيم، في كل مكان.
وكان السؤال يعلق في السقف: هل موتنا كان بلا معنى؟