تاريخ النشر: 2026-09-21 | 17:45
تاريخ النشر: 2026-09-21 | 17:45
واشنطن: أعاد المفكر والعلوم السياسي الأمريكي فرانسيس فوكوياما، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة ستانفورد، تقييم أطروحته الشهيرة حول «نهاية التاريخ» في مقابلة مع بودكاست «Odd Lots» عبر شبكة "بلومبرغ"، وذلك بالتزامن مع صدور كتابه الجديد «In the Realm of the Last Man»، مستعرضاً أسباب التراجع الراهن للنموذج الليبرالي وتصاعد التهديدات الناجمة عن الشعبوية والذكاء الاصطناعي والمنافسة الاستبدادية.
أوضح فوكوياما أن مفهوم «النهاية» لديه مستمد من الفلسفة الهيغلية، ويعني الغاية أو نقطة التطور النهائي للمجتمعات البشرية، وليس توقف الأحداث أو نهاية النزاعات. وكان افتراضه الأساسي عقب أفول الشيوعية يرى في الديمقراطية الليبرالية واقتصاد السوق المحطة التي تتجه إليها المجتمعات كنموذج نهائي للشرعية.
وفي المقابل، استحضر فوكوياما المفهوم النيتشوي لـ «الإنسان الأخير» لتفسير حالة الاضطراب السياسي الراهنة، مشيراً إلى أن الإشباع المادي والتأمين المعيشي لا يكفيان لرضا الإنسان الذي يدفعه الشغف وحس الكبرياء، أو ما يُعرف بـ «الميغالوثيميا» (الرغبة في الاعتراف بالتفوق). واعتبر أن هذه الحاجة غير الملباة في المجتمعات المرفهة تشكل المحرك الأساسي للاستقطاب السياسي وللظاهرة الشعبوية الحديثة.
أجمل فوكوياما أسباب التراجع الملموس في مستويات الحرية والتوافق الاجتماعي منذ عام 2008 في عدة عوامل حيوية:
تآكل البيئة الإعلامية الرقمية: أدى غياب معايير التدقيق والتحرير المؤسسي إلى غياب الاتفاق المجتمعي على الوقائع الأساسية، فضلاً عن تقديم الخوارزميات الرقمية مكافآت للمحتوى الأكثر تطرفاً.
مخاطر الذكاء الاصطناعي: يحذر فوكوياما من تفويض آليات اتخاذ القرار إلى خوارزميات وأنظمة ذكاء اصطناعي لا يدرك صانعوها خلفيات سلوكها بدقة، إلى جانب التهديد الهيكلي لسوق العمل؛ حيث يرى أن سلب الآلة للوظائف يمس بالكرامة الإنسانية للعمال والموظفين، ولا يمكن معالجته عبر حلول جزئية مثل "الدخل الأساسي الشامل".
أزمة الأجيال الشابة: نَشَأت أجيال عقب سقوط جدار برلين تتعامل مع الاستقرار والازدهار الاقتصادي كمسلّمات بداهة دون الإلمام بكلفة وغياب النموذج الاستبدادي، ما دفع بعض القطاعات الطلابية للبحث عن قضايا نضالية بديلة لتصريف طاقاتها.
اعتبر فوكوياما أن الصين تمثل المنافس الهيكلي الوحيد للنموذج الغربي بفضل قدرتها على حشد الموارد والحفاظ على الاستقرار التقني، غير أنه شكك في حتمية تفوق هذا النموذج نظراً للتحديات الهيكلية المتزايدة التي يواجهها، وفي مقدمتها الأزمة العقارية، وبطالة الشباب، والاعتماد المفرط على النمو التصديري التنافسي.
أما فيما يتعلق بالنموذج السنغافوري (الحكم الاستبدادي ذو الأداء المرتفع)، فقد أقر بصلابته محلياً مع استبعاده إمكانية تعميمه أو تصديره عالمياً، نظراً لأن أغلب الأنظمة غير الديمقراطية تنتهي عادة بإخفاقات حوكمية وقيادية.
أكد فوكوياما في ختام طروحاته أن إعادة الثقة بالديمقراطية الليبرالية تتطلب الابتعاد عن النظريات التجريدية والتأكيد المباشر على كلفة التخلي عنها (مستشهداً بالنموذج الأوكراني)، إضافة إلى تقديم برنامج تنفيذي إيجابي يعتمد على إنجاز مشاريع كبرى ملموسة، وتخفيف التعقيدات الإدارية والتنظيمية التي تعطل البناء والتطور المؤسسي.