الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

قراءة في رواية عازفة الناي

قراءة في رواية عازفة الناي

تاريخ النشر: 2014-12-03 | 20:18

صدرت رواية "عازفة الناي" للأديب المقدسي عيسى القواسمي عن دار الشروق في رام الله وعمّان، وتقع في 384 صفحة من الحجم المتوسط.

هل محكوم على من يتخلى عن القدس بالشقاء والضياع؟ وهل من أحب القدس عاشت روحه فيها واندمجت مع جدرانها ولو هلك ومرت عليه الدهور والعصور؟

تحكي "عازفة الناي" حكاية القدس، حكاية من أحب القدس فأصبح جزءا منها، غالب الزمن وانتصر على الموت ليعيش في أكنافها، وحكاية من تخلى عن القدس وتنكر لها، فلفظته بعيدا، وتحولت حياته إلى حيرة وشقاء.

عازفة الناي فتاة عاشت في الزمن الغابر، لكن روحها أبت أن تغادر المدينة التي أحبتها، فسكنت أحد جدرانها، وما فتأت تظهر لأولئك الذين يتخلون عنها، تعزف بنايها، تدعوهم إليها، تدعوهم ليعودوا. لكن أولئك يظنون أنها تنازعهم رغباتهم وأهواءهم التي باعوا القدس من أجلها.

تخلى ربحي عن القدس، وباع بيت والده الذي يربض في قلب المدينة قريبا من مسجدها الأقصى لأولئك الغرباء، مقابل أن يشبع نزواته، باع القداسة على طاولة القمار، فكان قدره أن يموت مشنوقا في الصحراء. تبعته عازفة الناي بنايها المشروخ تدعوه لأن يعود. خرجت من جدارها الذي أقامت فيه لمّا أدركت أن الجدار سيصبح بيد الأعداء، لكنه تمادى في ضلاله، واسترسل في غيه، وتزوج من يهودية ولم ينتبه إلى عِظَم خطيئته إلا عندما قرر أن يترك الحياة منتحرا. فالقدس لا تغفر لمن يخونها.

عادت عازفة الناي إلى كوَتها، تناجي بهاء، عندما أحست فيه نزعة إلى هجر مدينته. طُرد بهاء من بيته، واستباحه المستوطنون. لم يخرج بهاء من مدينته وإنما سكن أحد فنادقها، رافقته عازفة الناي، التي هي روح المدينة، تؤجج في نفسه مشاعر الغضب، وتثير فيه القدرة على الصمود والنضال من أجل استرجاع بيته ومدينته. لكن بهاء، أو الفتى كما يلقبه الكاتب، سقط عند أول نزوة، انشغل عن صوت الناي بصوت الجيتار الذي كانت تعزفه غانية ألمانية في الغرفة المجاورة. تخلى عن حلم العودة إلى بيته ليصبح همه في الحياة حب هذه الغريبة، وبدل أن تكون عازفة الناي هي الروح التي تقوده إلى الانعتاق من أصفاد الاحتلال، وتقوده كي يعود إلى بيته الذي اغتصبه المستوطنون، أصبح نايها، في نظره، هو الذي يحول بينه وبين الاستمتاع بجيتار هيلينا الألمانية، وأصبح طيفها هو الذي يمنعه أن يتلذذ بجسد هيلينا. أصبح عشق هيلينا هو ما يؤرقه، وانساق وراءها لكي يبعد عازفة الناي عن روحه وقلبه. فكان مصيره شبيها بمصير عمّه ربحي، تنتهي الرواية وهو ثمل وملقى في صقيع جبال الألب. هذا قدر من يتخلى عن القدس.

رواية "عازفة الناي" هي مزيج بين الحقيقة والخيال. مزيج بين العالم المادي المحسوس وبين الأخيلة والأحلام والوساوس وهذيان السكارى. يظن القارئ في البداية أن الكاتب سيتناول موضوع القدس، سيقود صراعا من أجل أن تستعاد بيوتها من أيدي المستوطنين، لكنه سرعان ما يدرك أن الكاتب يقوده بعيدا عن القدس وصراعها مع الاستيطان، إلى قصة عشق عادية بين شاب من هذه المدينة وفتاة غريبة عنها، وتصبح أحداث الرواية تدور حول هذا العشق والصراع مع ذلك الطيف الذي جاء من أعماق التاريخ ليفسد هذا العشق. لكن القارئ لا يستطيع أن يتعاطف مع بطل الرواية، بهاء، الذي ما عاد يذكر بيته الذي اغتصبه المستوطنون، والذي بدأ مشواره يبحث عن الحقيقة، حقيقة تسرب بيته للأعداء واختفاء جده واستشهاد والده، ثم أصبح بحثه لأجل أن يستطيع أن يستمر في حب هيلينا. ثم يهجر القدس ليعيش في ألمانيا بالقرب من عشيقته.

يبدع الكاتب في وصف الأماكن بلغة جميلة أنيقة، فيرسم صورة جميلة لمدينة القدس، يأخذك في أحيائها وأزقتها، فتزور كنائسها وتجوب أسواقها وكأنها صورة ماثلة أمامك، ثم يقودك في رحلة صحراوية إلى وادي القلط، يصف طرقها ومغرها وأديرتها بدقة بالغة، ويرسمها بريشة فنان مبدع. ثم يصطحبنا في نهاية الرواية في رحلة عبر ألمانيا إلى الغابة السوداء التي تحتضنها جبال الألب بقممها البيضاء في رحلة جميلة مشوقة.

ويدير الكاتب حوارا بين الشخصيات بأسلوب جميل، لكنه أحيانا يعمد إلى شرح حقائق تاريخية وجغرافية أثناء الحوار، فيتحول الحوار إلى ما يشبه درسا يلقيه معلم حاذق. أعتقد أن هذا الاستطراد في وصف الأماكن والحكايات التاريخية قد أضعف الحوار وأخرجه عن سياقه، وربما كان من الأفضل أن يذكر الكاتب هذه المعلومات المهمة، والتي تنم عن سعة اطلاعه وثقافته، خلال السرد لا ضمن الحوار.

هل القدس هي مدينة الفضيلة والصلاة والجهاد والصبر والرباط أم هي مدينة السكر والقمار والعشق الحرام؟ عندما تبحر في رواية "عازفة الناي" وتعيش أحداثها، تعيش بين مجموعة من السكارى والواهمين. تنتقل من نوح السكير وأوهامه وتنبؤاته، إلى هيلينا التي تعاقر الخمر وبهاء الذي يتمنع عنها في البداية، لكن الرواية لا تنتهي حتى يعاقرها. ولا نلمح خلالها طهر عازفة الناي وعفة أبناء القدس وتضحياتهم. يبعدنا الكاتب عن جوّ القدس الروحاني المتصل بالسماء ليجعلنا نعيش في لحظات الخطيئة التي يقترفها بعض أبنائها.

وأتساءل، لِمَ يصرَ الكاتب على تلقيب بهاء بالفتى، أليست الفتوة تحمل معاني القوة والأنفة والتضحية والحماس؟ لكن بهاء لم يكن كذلك أبدا، بل كان عنوانا للضياع والانكسار والهزيمة والضعف؛ كان ضعيفا أمام أعدائه ثم كان ضعيفا أمام نزواته وعشقه. ولا أعلم لماذا جعل الكاتب بهاء يزور بيته وهو في يد المستوطنين، ويرى تلك الفتاة اليهودية المذعورة التي تسكن غرفته. هل يريدنا الكاتب أن نتعاطف مع المغتصب؟ أنا لا أعتقد أن هذه الزيارة واقعية أو يمكن أن تحدث في الحقيقة؟ ولا أعتقد أنها أضافت شيئا إلى الرواية.

ربما تاه بهاء في صقيع الغربة في ألمانيا، وربما ينجح الغجر في سلخ عازفة الناي من روحه ليعيش في نعيم عشق هيلينا، أو ربما يموت سكرانا هناك على شاطئ تلك البحيرة البعيدة. إلا أن عازفة الناي ستعود حتما لتسكن في كوّتها هناك في ذاك الجدار في مدينة القدس، تؤرق ليل المغتصبين وتعزف بنايها لحنا رقراقا يلهب مشاعر الصامدين، ويدغدغ شعورا روحانيا شفيفا في أنفسهم، بعيدا عن هذرات السكارى والخائنين.

×
أخبار
تركيا وحرب إيران: الهندسة العسكرية لردع مزدوج وتبلور «القطب الإقليمي الثالث» و س ج: إدارة ترامب ستفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية أ ف ب: تحالف سبعة تنظيمات مسلحة معارضة للإطاحة بالحكومة في إثيوبيا بعد الهزيمة التاريخية في انتخابات ولايات ألمانية..ميرتس يتعهد بالمضي قدماً في الإصلاحات "ذا نيويوركر" تسلط الضوء على "قطر غيت" وشبكات النفوذ في مكتب نتنياهو صحيفة سويسرية: خطة ألمانية قد تؤدي لترحيل نصف مليون سوري تقرير: سيناريو استخباراتي يُثير مخاوف دول الخليج وتركيا حال سقوط نظام إيران عبد العاطي لوفد المنظمات اليهودية الأمريكية: نرفض أية محاولات لتهجير الفلسطينيين وثيقة سرية: روسيا وإيران توسعان قنوات مالية وتجارية للالتفاف على العقوبات رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل ميلوني تعلن إجراءات جديدة في المدارس الإيطالية بينها حظر النقاب هرتسوغ كان يعرف ما الذي يفعله عندما أصدر عفوًا عن عزاريا قبل أقل من 40 يومًا من الانتخابات  وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط