الصمت على استمرار عمل "أكاديميات تهويد التعليم" في قطاع غزة جريمة وطنية كبرى، لا يجب غض الطرف عنها بـ "أعذار واهية".

الشهيد طلال خليل النجار.. وجهٌ من مخيم جباليا لا يستطيع الغياب محوه

الشهيد طلال خليل النجار.. وجهٌ من مخيم جباليا لا يستطيع الغياب محوه

تاريخ النشر: 2026-10-04 | 15:29

سامي إبراهيم فودة
سامي إبراهيم فودة

​حين يخترق الغياب جدران الذاكرة، لا يعود الموت مجرد رقم في سجل الفقد، بل يصير ارتحالاً للأسطورة في تفاصيل المكان. هناك رجالٌ لا تُكتب سيرتهم بالحبر العادي، بل تُحفر خطواتهم على إسفلت المخيم، وتستقر ملامحهم في عيون الصغار قبل أن يدركوا معنى التاريخ.

​ومن تلك الوجوه الخالدة التي رفضت أن تُطالها ريح النسيان، الشهيد المجاهد طلال خليل أحمد النجار (أبو محمد)؛ ابن مخيم جباليا الأبيّ، الذي رافقت طيفَه منذ كنت طفلاً في الصف الأول الابتدائي، أجلس على مقاعد مدرسة "أبو حسين"، بينما كان هو يخطو بثباتٍ في مراحل شبابه وثانويته، وكأن الأقدار كانت ترسم على جدران المدرسة خطوط لقاءٍ يتأجل عقوداً ليخطه قلمي اليوم وفاءً لا رثاءً.

​لم يكن طلال مجرد عابرٍ في مشهد المخيم اليومي؛ بل كان جزءاً من روح المكان. كنت أراه يتردد بوقارٍ نحو مسجد "أنور عزيز"، مصلياً وخاشعاً، هادئ الخطوة، كأنما يوثق علاقته بأرضه يوماً بيوم، وساعةً بساعة. سنوات طويلة مرت، وتبدلت الأحوال، لكن ذلك الوجه الصادق ظل معلقاً في زوايا الذاكرة، لا تنال منه عواصف الأيام.

​رجلٌ من طينة الثبات واليقين

​عاش طلال النجار سبعة وستين عاماً من العمر المجبول بالعزة؛ عرفته ساحات مخيم جباليا ثابتاً، وعُرف بانتمائه الصادق لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، متولياً مسؤولية قسم العلاقات العامة في لواء الشمال. لكن العظمة الحقيقية للرجال لا تقيسها المسميات التنظيمية، بل الأثر الذي يتركونه في نبض الناس. لقد كان طلال ابناً باراً لهذا المخيم؛ يعرف أزقته ودروبه، ويحمل همومه فوق عاتقه بصمتِ الكبار، حتى استوى طوداً من أطواد جباليا الشامخة.

​20 يونيو 2025: حين استدارت الذاكرة نحو الشهادة

​وفي خضم هذه الملحمة القاسية التي يعيشها قطاع غزة، وفي العشرين من يونيو عام 2025، امتدت يد الغدر الإسرائيلي عبر غارة جوية آثمة استهدفت تجمعاً للمواطنين في محيط دوار درابيه، مقابل مسجد آسيا بحي النصر في مدينة غزة. هناك، ترجل طلال عن صهوة عمره المديد البالغ سبعة وستين عاماً، ليرتقي شهيداً مخضباً بدم الطهر والكرامة.

​حين بلغني نبأ استشهاده، تهاوت السنين الحواضن، وارتد بي الزمان طفلاً أمام مدرسة "أبو حسين"، ومصلياً في مسجد "أنور عزيز". أدركت حينها أن الله سبحانه وتعالى قد أبقى في عُمري بقيةً لأشهد وأكتب عن الرجل الذي رأيته بعيني طفلٍ صغير، لكي أقول للعالم: هذا رجلٌ مرّ من هنا، فترك خلفه أثراً لا يمحوه الرصاص ولا تزيله سحب الدخان.

​نكتب عن الإنسان قبل أن يرتدي وسام الشهادة

​ليست الكتابة عن الشهداء ترفاً أدبياً، ولا هي تعدادٌ جاف للتواريخ والأسماء. الشهيد، قبل أن يعانق العلياء، كان إنساناً يبتسم، ويحمل هماً، ويمشي على الأرض حافياً من الادعاء، له بيت وأهل وذكريات ومخبأ روح. ولأنني أكتب كابنٍ من أبناء هذا المخيم الذي لم يكن يوماً مجرد جغرافيا، بل كان مدرسةً ومسجدًا وتاريخًا حياً، فإنني أكتب عن طلال النجار لأن واجبي الإنساني والوطني يحتم عليّ أن أحرس ذاكرة مدينتي من النسيان.

​رحل طلال، وغاب الجسد تحت سماء غزة المثقلة بالجراح، لكن صورته التي رافقت طفولتي وشيخوخة أيامي بقيت راسخة. سيظل مخيم جباليا، رغم الدمار والوجع، يعرف أبناءه جيداً؛ فأزقتنا لا تخطئ وقع نعال الأوفياء، ومساجدنا تحفظ صدى ركوعهم، ومدارسنا تفتح أبوابها دائماً لأرواحهم الطاهرة.

​رحم الله الشهيد البطل طلال خليل أحمد النجار، وأسكنه الفردوس الأعلى مع الأنبياء والصديقين، وحفظ الله غزة وأحرارها الأبرار.

×
أخبار
بقائي: إيران تدرس عرضًا روسيًا لنقل اليورانيوم المخصب بنسبة 60% العليمي يعلن بدء العمليات العسكرية الشاملة ضد الحوثيين لاستعادة مؤسسات الدولة العليمي يعلن بدء العملية العسكرية الشاملة لاستعادة ما تبقى من أراضي اليمن قمة العلمين تُطلق "إعلان التاريخ والمستقبل": 25 عاماً من النيباد ونقطة تحول نحو نهضة أفريقيا 2063 دراسة ترصد ممرات طاقة وتجارة جديدة عبر العراق وسوريا ولبنان لتجاوز مضيق هرمز من "السلاح الأقوى" إلى "القدرة على الإنتاج".. كيف تعيد أميركا وحلفاؤها بناء ترسانة الحرب؟ الجدار والاستيطان: حرب إبادة صامتة في الضفة لفرض الضم وإعادة تشكيل الجغرافيا - تفاصيل حقوقيون يحذرون من خطورة استغلال الذكاء الاصطناعي في توجيه الضربات العسكرية وضربات القمع الداخلي ف. تايمز: نتنياهو يرسم واقع الضفة قبل الانتخابات باندفاعة استيطانية لندن لا تستبعد فرض عقوبات على إيران بسبب حادثة قاعدة "فيرفورد" عراقجي: إيران أكثر استعدادًا لأي مواجهة عسكرية تصاعد الاعتداءات بالضفة: اعتداءات للمستوطنين على المزارعين والمدارس واعتقالات تطال صحفية وطفلين ليبرمان يدعو إلى تفكيك السلطة الفلسطينية وإلغاء اتفاقيات أوسلو وتطوير اتفاق لندن مع الأردن كاتس يعلن إغلاق الضفة الغربية ومعابر قطاع غزة في 5 و7 أكتوبر مع إستنثاءات محدودة جدا "التعليم العالي" توضح تفاصيل اختبار القدرات للتخصصات الطبية في غزة ارتفاع حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى74,237 والإصابات إلى 175,206 منذ بدء العدوان إخفاق أمني في الطيران المدني الإسرائيلي..واتهامات بين الأجهزة الأمنية" و"الوزيرة" فتح والتيار..استيعاب "أخوي" أو فك ارتباط "أخوي"! تبون يحسم: "لن نتراجع" عن قطع العلاقات مع الإمارات السيسي: ملتزمون بدعم جهود تمويل مشروعات القارة الإفريقية فرنسا توجه اتهامات إلى 5 أشخاص بشبهة تمويل "حماس" عبر جمعيات إنسانية تحقيق يكشف عن ضغوط داخل الـ "إف بي آي" لفتح تحقيقات انتخابية قبل الانتخابات النصفية عبري: التحقيق في شبهات هبوط طيارين من سوريا وإيران والعراق بمطار اللد اعتراف إسرائيل بأرض الصومال يفتح جبهة مواجهة جديدة مع النفوذ التركي في القرن الأفريقي الأردن يعتقل عضوًا بارزًا في مجموعة شايني هانترز اخترقت "إف بي آي" إعلام: الدفاعات الجوية الإيرانية أسقطت مسيرة معادية في أجواء جزيرة قشم- فيديو تقرير صحفي يتهم إدارة ترامب بإعادة تشكيل السياسة الخارجية لحماية "المصالح الخاصة" واليمين الدولي مصدر مصري مسؤول: ما صدر عن وزير الري الإثيوبي يكشف عن ارتباك وسوء تقدير مصطفى: إعادة بناء غزة وتوحيد الوطن وإطلاق الاقتصاد الوطني أبرز أولويات المرحلة المقبلة عبري: إخفاق مروّع في حادثة فلاي دبي يستوجب التحقيق وحكومة نتنياهو منشغلة بتوزيع الهدايا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط