تاريخ النشر: 2026-10-11 | 15:01
تاريخ النشر: 2026-10-11 | 15:01
وكيف نفرح وزوجات الشهداء، الأقدس منا جميعاً، يقفن اليوم في طوابير الذل من أجل كسرة خبز؟
كيف تطيب لنا الحياة ونحن نرى التي كان زوجها بالأمس يمشي بيننا كالجبل، هي اليوم تتوسل خيمة تسترها، وشادراً يقي أطفالها برد الشتاء ومطر السماء؟
أيُّ عارٍ هذا الذي وصلنا إليه؟
هي لم تكن مجرد زوجة.. كانت وطناً
زوجة الشهيد في غزة لم تودع زوجها مرة واحدة، ودعته كل يوم.
ودعته حين كان يخرج ولا تعلم هل يعود، وودعته حين كان يعتقل، وودعته حين كان يصاب. وفي المرة الأخيرة، لم تودعه، بل حملته على كتفيها شهيداً.
هذه المرأة التي كنا نسميها "أم الشهيد" و "زوجة البطل" ونضع صورتها في المهرجانات، هي اليوم تنام وأطفالها الأربعة والخمسة على الأرض، في خيمة من النايلون لا تمنع برداً ولا تستر عورة.
تستيقظ في الصباح، لا لتطبخ، بل لتبحث.
تبحث عن كشاف صغير يضيء عتمة ليل أطفالها الذين يخافون الظلام بعدما رأوا كل هذا السواد.
تبحث عن قلم ودفتر لابنها الذي كان أبوه يحلم أن يراه مهندساً أو طبيباً، واليوم لا يجد ما يكتب عليه حرفاً.
تبحث عن حفاضات لرضيعها، وعن دواء لابنتها، وعن شربة ماء نظيفة.
هل هذا هو جزاء من قدمت زوجها قرباناً لهذا الوطن؟
أيُّ خذلانٍ أكبر من هذا؟
كنا نقول: الشهداء أكرم منا جميعاً. فماذا عن زوجاتهم؟ ماذا عن أيتامهم؟
والله إن دمعة طفل شهيد يطلب قلماً للمدرسة، أثقل في الميزان من كل خطاباتنا وبياناتنا ومؤتمراتنا عن الصمود والتضحية.
إننا اليوم أمام امتحان أخلاقي، لا سياسي.
المناضل الذي قُطع راتبه يستطيع أن يصرخ، وأن يشتكي، وأن يكتب منشوراً.
أما أرملة الشهيد فلا تصرخ. هي تموت بصمت. تستر جوع أطفالها بابتسامة، وتخفي دموعها في الليل كي لا يراها أحد. عفتها تمنعها من السؤال، لكن الجوع يجبرها على التوسل.
فهل نفرح ونحن نراها كذلك؟
لا يفرح في هذا المشهد إلا من مات ضميره.
كرامة زوجة الشهيد ليست مساعدة إنسانية، هي دين في رقابنا جميعاً.
الدين لا يُسدد بـ "سلة غذائية" تُصورها الكاميرات، ولا بخيمة ممزقة تُنصب على استحياء.
الدين يُسدد بأن نقول لها:
بيتك هو بيتنا، وأبناؤك هم أبناؤنا، وكرامتك هي كرامتنا.
قبل أن نبني أي مشروع سياسي جديد، وقبل أن نتحدث عن اليوم التالي للحرب، وقبل أن نتقاسم المناصب والمكاسب، يجب أن نسأل أنفسنا:
هل وفرنا خيمة تليق بزوجة الشهيد؟
هل أمنا قلماً ودفتراً لابن الشهيد؟
هل أضأنا لهم ليلاً واحداً بلا خوف؟
إن لم نفعل، فنحن لم نخسر غزة فقط، نحن خسرنا أنفسنا.