تاريخ النشر: 2026-09-27 | 15:34
تاريخ النشر: 2026-09-27 | 15:34
في بعض البيوت تحتفظ الجدران بما عبر منها من أصوات وروائح وخلافات وغيابات. هذا العالم المنزلي هو ما تدخل إليه سندس الشرايبي في روايتها الاولى بالفرنسية Le soleil se lève deux fois، الصادرة عن دار غاليمار في 2026، والتي تنطلق من بيت في طنجة تفتح منه أسئلة أوسع عن الذاكرة والعائلة والنساء وما يبقى من الأمكنة بعد أن تتغير حياة ساكنيها.
ولدت سندس الشرايبي في طنجة سنة 2000، وغادرتها الى باريس سنة 2018، حيث درست الادب في جامعة السوربون، ثم السياسات الثقافية في معهد العلوم السياسية بباريس. وقبل الرواية، عرفت من خلال الصحافة الثقافية وعملها في مجلة "تيل كيل"، خصوصا ضمن صفحات "كتاب" والبودكاست الذي يحمل الاسم نفسه. خلال تلك السنوات حاورت كتابا مغاربة وفرنسيين وعربا، وناقشت أعمالا أدبية من أجيال مختلفة. وتعود البذرة الاولى للرواية الى ورشة كتابة اشرف عليها عبد الله الطايع في سلا، حيث كانت الشرايبي حاضرة بصفتها صحافية، ثم شاركت في تمرين طلب فيه الطايع من المشاركين ان يغمضوا أعينهم ويتخيلوا صورة. من هذه الإغماضة فتحت الكاتبة عينيها على درج وصورة لأختين... من هذه الصورة الصغيرة بدأ يتشكل عالم الرواية، قبل ان يتسع ليشمل بيتا كاملا وثلاثة أجيال من النساء.
تعود ليال إلى بيت العائلة حين تقترب جدتها ماما عبلة من الموت، تجتمع حولها ابنتاها فايزة وملك، بينما تستعيد ليال ذكرياتها مع الجدة ومع البيت الذي نشأت في ظله. في أيامها الأخيرة تطلب ماما عبلة من حفيدتها ان تمنع بيع المنزل، فيبدو الأمر في البداية وصية مرتبطة بملك عائلي، لكنه يتحول تدريجيا الى باب يفتح على تاريخ لم يكن معروفا بالكامل، وعلى سر عائلي يعيد ترتيب صورة الماضي.
لا تقوم الرواية على السر وحده، فما يمنحها أيضا عمقها هو ما يتكشف من علاقات بين النساء، بالإضافة إلى البيت الذي يحتل مكانة رئيسة في السرد.. الغرف والممرات والمطبخ والحديقة والأثاث .. كلها عناصر تتحول الى خزان للذاكرة. وتتحرك ليال داخل المكان كما تتحرك داخل ماضيها، فتفتح رائحة ما بابا على ذكرى، وتعيد قطعة أثاث شخصا غائبا، وتحمل غرفة كاملة زمنا لم يعد موجودا. الناقد عبد الرحيم كمال رأى في قراءته للرواية أن بنية العمل تكاد توازي بنية البيت، وأن الداخل المكاني يكشف شيئا من الداخل النفسي للشخصيات. ويلفت الى الفرق بين الجد الذي "بنى بيتا" وماما عبلة التي "صنعت مكانا". البناء هنا شيء، والحياة التي تمنح المكان معناه شيء اخر.
في قلب هذا البيت تقف ماما عبلة، الشخصية الاكثر تعقيدا.. تراها ليال جدة حنونة وقريبة، بينما تحمل ابنتاها صورة مختلفة عنها. بالنسبة إليهما كانت أمّا صارمة وثقيلة الحضور، وتركت في حياتهما آثارا لم تختف مع الزمن. هذا الاختلاف بين صورة الجدة وصورة الأم يمنح الشخصية كثافة خاصة، فلا تظهر ماما عبلة كرمز ثابت، وإنما امرأة صنعت مكانها وحمت بيتها، وفي الوقت نفسه فرضت على ابنتيها قواعد واختيارات قاسية.
تحضر هذه الشخصيات من خلال العلاقات بين النساء في مستويات متعددة.. علاقة الأم بابنتيها، وعلاقة الأختين فايزة وملك، ثم علاقة ليال بأمها وجدتها. وقد قالت الشرايبي أن الأخوة النسائية كانت من الأفكار الأولى التي دفعتها الى الكتابة، وأنها كانت تفكر في ما الذي يجمع أختين فعلا، وما الذي يصنع ذلك القرب الذي يصعب أحيانا على الآخرين دخوله.
في الجهة المقابلة تقف ليال بوصفها ابنة وحيدة تنظر الى العلاقة بين فايزة وملك من الخارج، وتلمح فيها شيئا لم تعرفه في حياتها. بعض النقاد توقفوا عند هذه النقطة، واعتبروا ان حضور وحدة الطفل الوحيد من الجوانب اللافتة في الرواية، لأنها لا تظهر كتفصيل عابر، بل كتجربة تؤثر في طريقة ليال في فهم القرابة والصداقة والغياب.
بدورها تلتقط عائشة أقلعي ( المديرة السابقة لمجلة تيل كيل) في قراءتها للرواية ميل الشرايبي الى البطء والانتباه الى التفاصيل، بعيدا عن الرغبة في الاستعراض أو تسريع الحكاية، هذا الايقاع مناسب لعالم يقوم على الذاكرة لأن الماضي لا يعود مرتبا حسب السنوات، وإنما من خلال الأثر.. شيء في البيت يستدعي صورة، وصوت يعيد موقفا قديما، وذكرى صغيرة تكشف معنى لم يكن واضحا من قبل. لهذا يبدو الصمت جزءا من بناء الرواية، فهناك اشياء لم تقل في وقتها، واشياء بقيت عالقة داخل العائلة حتى تحولت الى عبء. الكتابة نفسها تصبح طريقة لمحاولة ترتيب ما حدث. ليال لا تملك حقيقة نهائية، والذاكرة لا تعمل كوثيقة دقيقة، بل تعيد تشكيل الوقائع مع مرور الوقت. هذه المسافة بين ما حدث وما نتذكره تمنح الرواية هدوءها الداخلي وتفتحها على اكثر من قراءة.
في روايتها الأولى لا تبدو طنجة خلفية سياحية ولا يتحول البيت إلى صورة حنينية مغلقة، فالمكان يعيش ويتغير، والنساء يحملن داخله ذاكرتهم واختلافاتهم وندوبهم، وما يبقى في النهاية ليس سؤال من سيحتفظ بالبيت ولكن كيف تواصل الأمكنة العيش فينا حين لا نعود نملكها. عند هذه النقطة يصبح عنوان الرواية أقرب الى وعد خافت ببداية أخرى، حين تستطيع الذاكرة والكتابة أن تعيدا الى الضوء ما حسبناه انتهى.
--