تاريخ النشر: 2026-10-10 | 14:26
تاريخ النشر: 2026-10-10 | 14:26
سلامٌ عليكِ يا مروءة،
سلامٌ على قبركِ المفتوح منذ أول صاروخٍ سقط على غزة، ولم يُغلق.
سلامٌ عليكِ يا إنسانية، يا من كُنّا نظنّكِ أمّاً للجميع، فإذا بكِ تختارين أبناءكِ باللون والعِرق وجواز السفر.
لقد خُذِلت غزة.
خُذِلت غزة لا لأنها ضعيفة، بل لأنها كانت قويةً أكثر مما يحتمل المتخاذلون. وقفت وحدها، بلا جيوش، بلا غطاءٍ جوي، بلا مجلس أمن، بلا حقّ فيتو. وقفت بحجارة أطفالها، وبخبز أمهاتها اليابس، وبأنفاقها المحفورة بالأظافر، في وجه آلة حربٍ يُصنع لها السلاح في عواصم تدّعي الحضارة، ويُشحن لها المال من خزائن إخوةٍ يصلون إلى قبلتها.
أهل غزة لم يُخذلوا في المعركة، بل خُذلوا قبلها وبعدها. خُذلوا حين صار الدم الفلسطيني رقماً في نشرة الأخبار، يمرّ سريعاً بين خبر الطقس وسعر النفط. خُذلوا حين صار الجوع سلاحاً مشروعاً، والمستشفى هدفاً عسكرياً، والطفل تحت الركام "ضرراً جانبياً". خُذلوا حين خرجت علينا بيانات الشجب المطاطية، تلك البيانات التي لا تُسمن ولا تُغني من قصف، بياناتٌ كُتبت بحبرٍ باردٍ في غرفٍ مكيفة، بينما غزة تحترق بحبر الدم.
ويا لخذلان مسرى الرسول..
القدس ليست مدينةً على الخريطة، هي مسرى محمد صلى الله عليه وسلم، ومعراجه إلى السماء، وأولى القبلتين. خُذل المسجد الأقصى حين تُرك وحيداً يقاوم الاقتحامات كل فجر، يرابط فيه شيوخٌ ونساءٌ بأجسادهم العارية إلا من الإيمان، بينما أمةٌ تعدادها مليارا مسلم تملك مفاتيح النفط والغاز والإعلام، لا تملك مفتاح بابٍ من أبوابه.
خُذل الأقصى حين صار تدنيسه وجهة نظر، وحرق مصاحفه حرية تعبير، ومنع الأذان فيه إجراءً أمنياً. سكتنا حتى ظنّ المحتل أن السكوت رضا، وأن لا أحد سيأتي. وكنا نظن أن للقدس أهلاً، فإذا أهلها هم فقط من يسكنون أزقتها، أما نحن فأهل كلام.
ويا لخذلان فلسطين كلها..
فلسطين لم تُبع في صفقةٍ واحدة، بل بيعت كل يومٍ بجرعة صغيرة من النسيان. خُذلت حين حولنا قضيتها من قضية وجودٍ وهوية، إلى قضية مساعداتٍ إنسانية ومعابر. خُذلنا حين صرنا نتفاوض على الفتات، ونحتفل بفتح معبرٍ لساعاتٍ كأنه فتحٌ مبين.
خذلان فلسطين هو أن يصبح أهلها لاجئين في كتب التاريخ قبل أن يكونوا لاجئين على الأرض. أن يُطلب من الضحية أن تكون مهذبة في صراخها، وعقلانية في نزيفها، وأن تدين مقاومتهاً قبل أن تدين قاتلها.
يا مروءة، يا إنسانية..
لقد متِّ في غزة.
رأيناكِ تموتين تحت ركام بيتٍ في الشجاعية، ورأيناكِ تُدفنين مع مسعفةٍ رفضت أن تترك جريحها، ومع صحفيٍ مات وكاميرته لا تزال تصور، ومع أبٍ يحمل كيساً فيه ما تبقى من أطفاله الخمسة.
لذلك نقول لكِ: سلامٌ لا لقاء بعده.
لن ننتظركِ بعد اليوم من بيانات الأمم المتحدة، ولا من ضمير العالم الحرّ. لقد عرفنا أن الضمير انتقائي، وأن القانون الدولي لا يتكلم العربية.
سلامٌ عليكِ، وسلامٌ على غزة التي علمتنا أن الخذلان لا يقتلها، بل يكشفنا نحن.
غزة باقية،
ومسرى الرسول باقٍ،
وفلسطين باقية،
ولو خذلها الجميع.
الموافقة على شروط النشر: 1
صورة شخصية للكاتب: received_messages_from_pages/2026-10-10/6ac96296343d9-1791582870.jpg
ارفاق ملف:
روابط التواصل الاجتماعي: