تاريخ النشر: 2026-10-06 | 20:05
تاريخ النشر: 2026-10-06 | 20:05
لم تكن الرسالة الأهم في كلمة الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي زياد النخالة، في الذكرى التاسعة والثلاثين لتأسيس الحركة، والذكرى الثالثة لـ«طوفان الأقصى»، هي التأكيد على استمرار المقاومة؛ فهذا موقف ثابت في خطاب الحركة. الأهم أن الكلمة تحدثت عن المرحلة المقبلة من موقع يرى أن الحرب نفسها لم تنتهِ بعد، وأن إسرائيل ما زالت، كما قال النخالة، «ترفع راية القتل» في مواجهة الشعب الفلسطيني.
ما يحدث إذن هو تداخل بين مسارين: حرب ما زالت إسرائيل تواصل فيها القتل والعدوان على الشعب الفلسطيني، وصراع سياسي بدأ مبكرًا حول شكل المرحلة المقبلة، ومن سيكون حاضرًا فيها.
وفي هذا السياق تحديدًا، تكتسب عبارات النخالة عن «وحدة الشعب الفلسطيني» و«وحدة قوى المقاومة» ووحدة الجبهة السياسية أهميتها.
فهو لا يتحدث فقط عن كيفية استمرار المقاومة في مواجهة إسرائيل، وإنما يضع سؤال المقاومة داخل سؤال أوسع: ما موقع القوى التي خاضت الحرب في القرار الفلسطيني الذي سيشكل المرحلة المقبلة؟
من استمرار المقاومة إلى وحدة القرار
حين يؤكد النخالة أن المقاومة ستستمر «ما بقي المشروع الصهيوني قائمًا على أرضنا»، فهو يرفض عمليًا الفكرة التي تختزل المقاومة في حرب عسكرية تنتهي بانتهاء العمليات.
لكن الكلمة تذهب أبعد من ذلك عندما تربط استمرار المقاومة بوحدة الشعب الفلسطيني وقواه السياسية، وبوحدة قوى المقاومة.
وهنا تكمن النقلة السياسية في الخطاب. فالنخالة لا يطرح المقاومة باعتبارها مجرد قوة عسكرية مطلوب منها أن تستمر في الميدان، وإنما يضعها داخل تصور أوسع لوحدة فلسطينية تشمل الميدان والسياسة معًا. ولذلك يقول بوضوح إن حركة الجهاد الإسلامي ستعمل على «الحفاظ على وحدة قوى المقاومة، ووحدة الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده»، ويجعل «وحدة الشعب الفلسطيني وقواه السياسية» هدفًا أساسيًا للحركة.
وهذا يفتح سؤالًا يتجاوز المصالحة التقليدية بين الفصائل: من يشارك في إنتاج القرار الفلسطيني في المرحلة المقبلة؟
وهنا تكتسب الإشارة إلى الوفد الفلسطيني المفاوض أهمية خاصة. فالنخالة يقول إن «الوفد الفلسطيني المفاوض كان يتحدث ويفاوض باسم الشعب الفلسطيني، وباسم قوى المقاومة»، مؤكدًا أن ذلك جاء «إيمانًا منا بالوحدة الوطنية» التي يريدها عنوانًا للمرحلة القادمة.
هذه العبارة تنقل الوحدة من مستوى الشعار إلى مستوى التمثيل السياسي: ليس فقط أن تتوحد الفصائل في مواجهة إسرائيل، وإنما أن تكون هذه الوحدة حاضرة أيضًا عندما يجري التفاوض على مستقبل الفلسطينيين.
ومن هنا يمكن قراءة حديث النخالة عن وحدة الشعب وقواه السياسية ووحدة المقاومة بوصفه مدخلًا إلى سؤال إعادة بناء القرار الفلسطيني.
المشكلة تبدأ هنا
هذا المعنى يكتسب وزنه من طبيعة الترتيبات المطروحة لغزة.
فالمسألة بعد الحرب لا تتعلق فقط بمن يدير الخدمات أو يعيد إعمار القطاع، وإنما أيضًا بالشكل السياسي والأمني الذي سيحكم غزة، وبموقع القوى التي خاضت الحرب داخله.
وهنا يصبح السؤال أوسع من إدارة مرحلة انتقالية: أي نظام سياسي فلسطيني سينتج عن هذه الترتيبات، ومن سيكون جزءًا منه ومن سيُستبعد منه؟
وهذه هي النقطة التي تتقاطع عندها كلمة النخالة مع الصراع السياسي المقبل.
ففي الوقت الذي تتجه فيه بعض الترتيبات المطروحة إلى إعادة ترتيب الوضع السياسي والأمني في غزة، تأتي كلمة الجهاد الإسلامي لتؤكد أن القوى التي قاتلت في الميدان ليست مجرد قوى أمنية يمكن التعامل مع مستقبلها بصورة منفصلة عن مستقبل النظام السياسي الفلسطيني؛ بل هي جزء من «قوى المقاومة» التي يتحدث عنها النخالة باعتبارها طرفًا في الوحدة الوطنية والجبهة السياسية.
وبذلك تصبح إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني جزءًا من الصراع نفسه، وليست مسألة داخلية مؤجلة إلى ما بعد انتهاء الحرب.
من وحدة الميدان إلى وحدة السياسة
لكن عبارة «وحدة قوى المقاومة» تحتاج إلى التوقف عندها أكثر.
فالنخالة لا يستخدمها في سياق عسكري فقط. فهو يستعيد تجربة السنوات الثلاث الماضية ليؤكد أن سرايا القدس وكتائب القسام قاتلتا «موحدة في الميدان»، إلى جانب الجبهة الشعبية وباقي قوى المقاومة.
ثم ينتقل مباشرة إلى القول:
«وإلى جانب ذلك، حافظنا على الجبهة السياسية موحدة».
هذه النقلة هي الأهم في الكلمة.
فالوحدة التي يتحدث عنها ليست وحدة عسكرية فقط؛ إنها وحدة تمتد من الميدان إلى التفاوض. ومن هنا يصبح من الممكن فهم حديثه عن المرحلة المقبلة باعتباره محاولة للحفاظ على الصلة بين من قاتلوا في الحرب ومن سيشاركون في تحديد نتائجها السياسية.
وهذا لا يعني بالضرورة أن تتحول فصائل المقاومة إلى سلطة، أو أن تدخل جميعها في حكومة واحدة. القضية أوسع من ذلك: أن تكون القوى التي شاركت في الحرب جزءًا من عملية تحديد قواعد المرحلة المقبلة، لا مجرد قوى يُتفاوض على مستقبلها من خارجها.
فإذا كان مستقبل السلاح مطروحًا على الطاولة، فمن الطبيعي أن يكون للقوى التي تحمل هذا السلاح موقع في النقاش السياسي حول مستقبله.
وإذا كان شكل السلطة الفلسطينية سيعاد ترتيبه، فمن الصعب فصل ذلك عن القوى التي باتت جزءًا أساسيًا من الواقع السياسي الفلسطيني.
وإذا كان القرار الوطني الفلسطيني سيعاد بناؤه، فإن السؤال لا يعود فقط: كيف ننهي الانقسام؟ وإنما من يشارك أصلًا في إنتاج القرار الجديد؟
وهنا تتحول «الوحدة الوطنية» من شعار للمصالحة إلى مسألة تتعلق بتكوين النظام السياسي الفلسطيني نفسه.
القائمة الوطنية: مؤشر لا أكثر
وفي هذا السياق يمكن النظر إلى الاتصالات الجارية حول تشكيل قائمة وطنية تضم حماس والجهاد الإسلامي، والتيار الإصلاحي الديمقراطي في حركة فتح بقيادة محمد دحلان، إلى جانب قوى وشخصيات فلسطينية أخرى، بوصفها مؤشرًا عمليًا على أن فكرة الوحدة السياسية تتجاوز الخطاب النظري.
لكن أهمية هذه الاتصالات لا تكمن في الانتخابات بحد ذاتها، ولا في عدد المقاعد التي يمكن أن تحصل عليها القائمة، وإنما في أنها تطرح للمرة الأولى منذ سنوات احتمال ترجمة الحديث عن الوحدة إلى صيغة سياسية تتجاوز الاصطفافات التنظيمية التقليدية.
وإذا نجحت هذه الفكرة، فقد تصبح إحدى الأدوات لإعادة تشكيل التمثيل الفلسطيني على قاعدة أوسع، وإخراج القرار الوطني من حالة الانقسام بين مراكز القوة التقليدية.
لكنها تظل، في هذه المرحلة، مؤشرًا سياسيًا لا أكثر؛ فلا ينبغي تحميلها ما لم تحسمه المفاوضات الفلسطينية، ولا تحويلها إلى بديل عن السؤال الأكبر الذي طرحته كلمة النخالة: كيف تكون القوى الفلسطينية، بمختلف مكوناتها، جزءًا من القرار الذي سيحدد مستقبل المرحلة المقبلة؟
المعركة على معنى التمثيل
إسرائيل لا تخوض صراعًا عسكريًا مع المقاومة فقط، بل تخوض أيضًا صراعًا على البيئة السياسية التي ستخرج من الحرب.
فالترتيبات التي تقوم على إعادة تنظيم الحكم والوضع الأمني في غزة، بالتوازي مع طرح مستقبل سلاح الفصائل، لا تعيد تنظيم الإدارة فقط؛ إنها تعيد رسم حدود الفاعلين الفلسطينيين الذين سيكون لهم موقع في المرحلة المقبلة.
وفي المقابل، فإن حديث النخالة عن وحدة الشعب الفلسطيني، ووحدة قوى المقاومة، ووحدة الجبهة السياسية، يطرح تصورًا مختلفًا: أن القوى التي خاضت الحرب لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد ملف أمني ينبغي حسمه قبل بدء السياسة.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط: هل ستستمر المقاومة؟
بل: هل ستبقى المقاومة جزءًا من السياسة الفلسطينية، أم ستُترك خارج النظام الذي سيعاد بناؤه؟
وهذا هو جوهر الصراع الذي بدأ قبل أن تنتهي الحرب.
فإسرائيل قد تواصل القتل، وقد تستمر المواجهة بأشكال مختلفة، لكن بالتوازي مع ذلك يجري تحديد شكل فلسطين التي ستأتي بعدها: من يمثلها، ومن يتحدث باسمها، ومن يشارك في قرارها، وما موقع القوى التي خاضت الحرب في هذا القرار.
لذلك فإن كلمة الأمين العام لا تقدم برنامجًا مكتملًا للمرحلة المقبلة، ولا تحسم قضايا السلطة ومنظمة التحرير والسلاح والحكم. لكنها ترسم اتجاهًا سياسيًا واضحًا حين تجمع بين استمرار المقاومة، ووحدة الشعب الفلسطيني، ووحدة قوى المقاومة، ووحدة الجبهة السياسية، وتجعل هذه العناوين أساسًا للمرحلة القادمة.
وإذا كانت الحرب قد فرضت على قوى المقاومة أن تتوحد في الميدان، فإن المرحلة السياسية المقبلة ستفرض عليها اختبارًا أكثر تعقيدًا: هل تستطيع أن تحول هذه الوحدة إلى صيغة سياسية وطنية، من دون أن تتحول إلى مجرد قوة عسكرية خارج النظام السياسي؟
فالحرب لم تنتهِ حتى يكون الحديث عن «ما بعد الحرب» منفصلًا عنها، لكن الصراع على نتائجها بدأ بالفعل. والسؤال الذي سيتقرر فيه الكثير ليس فقط من ينتصر في الحرب، بل من يملك حق تشكيل النظام السياسي الفلسطيني الذي سيخرج منها.