تاريخ النشر: 2026-10-11 | 15:09
تاريخ النشر: 2026-10-11 | 15:09
تمرّ اليوم الذكرى الثالثة لمعركة "طوفان الأقصى"، وهي المحطة الفاصلة التي أعادت صياغة تاريخ القضية الفلسطينية والمنطقة بأسرها. ثلاثة أعوام انقضت منذ ذلك الفجر الذي حطّم الأساطير الأمنية والعسكرية، وتبعه عدوان وحشي غير مسبوق وحرب إبادة جماعية "صهيوأمريكية" متواصلة، أكلت الأخضر واليابس في قطاع غزة وامتدت نيرانها لتشمل جبهات أخرى في المنطقة، في محاولة بائسة لكسر إرادة شعب يرفض الركوع.
في مثل هذا اليوم قبل ثلاثة أعوام، استيقظ العالم على مشهد غير مسبوق في تاريخ الصراع العربي الصهيوني. لم يكن "طوفان الأقصى" مجرد جولة قتالية تقليدية، بل كان زلزالاً استراتيجياً ضرب أسس العقيدة الأمنية للاحتلال. ولأول مرة منذ عقود، انتقلت المبادرة العسكرية بالكامل إلى أيدي المقاومة الفلسطينية، مما أسقط أوهام "الجيش الذي لا يقهر" وأثبت أن القوة التكنولوجية والتحصينات الاستخباراتية لا يمكنها حجب إرادة التحرر الكامنة في نفوس أصحاب الأرض.
سريعاً تحول العدوان إلى حرب إبادة جماعية ممنهجة استهدفت الحجر والبشر. على مدار السنوات الثلاث الماضية، تحوّل قطاع غزة إلى ساحة لأبشع الجرائم ضد الإنسانية في العصر الحديث، حيث هُدمت الأحياء السكنية فوق رؤوس ساكنيها، واستُهدفت المستشفيات، والمدارس، ومراكز الإيواء، والبنى التحتية بشكل كامل.
هذه الحرب لم تكن لتستمر وتأخذ هذا المنحى لولا الشراكة الأمريكية الكاملة والمباشرة. فالإدارة الأمريكية لم تكتفِ بمنح الاحتلال الضوء الأخضر السياسي والدبلوماسي في المحافل الدولية واستخدام حق النقض "الفيتو" لإحباط أي قرار لوقف إطلاق النار، بل أمدّته بجسر جوي وبحري لا ينقطع من أحدث القنابل الذكية والذخائر الفتاكة التي حصدت أرواح عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، معظمهم من الأطفال والنساء. إنها حرب أديرت بعقول صهيونية، ومُوِّلت وسُلِّحت بقرار أمريكي واضح، بهدف تصفية القضية الفلسطينية وتهجير الشعب الفلسطيني.
رغم حجم الدمار الهائل، والجوع الممنهج، والحصار الخانق الذي يمنع دخول الغذاء والدواء، سطر الشعب الفلسطيني في غزة ملحمة صمود أسطورية ستدرسها الأجيال. ثلاثة أعوام من الألم والفقد، ولم يتنازل هذا الشعب عن أرضه أو ينقلب على مقاومتهم، بل تحول الصبر الغزي إلى أيقونة عالمية ألهمت أحرار العالم، وأعادت إحياء التضامن مع فلسطين في الجامعات والعواصم الغربية، كاشفةً زيف الشعارات المرفوعة حول حقوق الإنسان والديمقراطية الدولية.
وفي المقابل، خاضت المقاومة الفلسطينية على مدار الأعوام الثلاثة حرب استنزاف ضارية، محققةً خسائر فادحة في صفوف قوات الاحتلال وآلياته، ومثبتةً قدرة عالية على التكيف والابتكار العسكري رغم فارق القوة الشاسع ورغم الحصار المطبق.
تدخل معركة طوفان الأقصى عامها الرابع وهي تحمل جملة من الحقائق الراسخة التي لا يمكن تجاوزها: -
1. إن لم تسقط كل مشاريع التطبيع الإقليمي، إلاّ أنها أخرت تلك المشاريع الهادفة إلى القفز فوق القضية الفلسطينية، فلا أمن ولا استقرار في المنطقة دون حقوق الشعب الفلسطيني وتقرير مصيره، وإقامة دولته الفلسطينية.
2. سقطت الأقنعة عن المنظومة الدولية التي عجزت على مدار ثلاث سنوات عن إلزام كيان الاحتلال الصهيوني بوقف حرب الإبادة، مما يؤسس لمرحلة جديدة من الصراع تعتمد فيها الشعوب على قواها الذاتية.
3. أثبتت السنوات الثلاث أن معركة فلسطين ليست معزولة، بل هي مركز الصراع الذي تتداخل فيه الجبهات وتلتحم فيه قوى المقاومة في المنطقة.
في الذكرى الثالثة لـ "طوفان الأقصى"، تظل غزة، رغم ركامها وجراحها النازفة، الشاهد الأكبر على انكسار غطرسة القوة أمام عدالة القضية. إن الدماء التي سالت والتضحيات التي قُدمت على مدار الأعوام الثلاثة الماضية لم تذهب سدى، بل حفرت مجرى عميقاً في وعي الأمة والعالم، مؤكدةً أن فجر الحرية وإن تأخر بسب الجبروت الصهيوأمريكي والخذلان الدولي، فإنه آتٍ لا محالة، وأن خيار المقاومة والصمود هو الخيار الوحيد القادر على كتابة الفصل الأخير من تاريخ هذا الاحتلال.
رامز جبارين
كاتب فلسطيني
اسم المؤسسة / الجهة: