الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

رئيس جديد واستراتيجية ثابتة -ترامب من صناعة الدولة العميقة-

رئيس جديد واستراتيجية ثابتة -ترامب من صناعة الدولة العميقة-

تاريخ النشر: 2016-11-10 | 09:38

يعتقد البعض أن الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب سيحدث انقلابا وتغييرا جذريا في الإستراتيجية الامريكية داخليا وخارجيا ، وهذا الاعتقاد انبنى على مضمون خطاباته خلال حملته الانتخابية ، وعلى فهم سطحي لمقولة إن النظام السياسي الأمريكي نظام رئاسي مرتبط بشخص الرئيس . هذا التصور لا يؤسس على فهم عميق لطبيعة النظام السياسي الأمريكي وآلية صنع القرار فيه ، و غير ملم بالإستراتيجية الأمريكية وبالمزاج العام للشعب الأمريكي ، كما أنه لم يدرس ويستفيد من التاريخ . 

مما لا شك فيه أن شخصية ترامب كما تبدت من خطاباته وإيماءاته خلال الحملة الانتخابية تُظهره كشخصية شعوبية ويمينية متطرفة ، وكأنه مقبل على انقلاب حقيقي في السياسة الأمريكية الداخلية والخارجية ، ومما لا شك فيه أيضا أن النظام السياسي الامريكي نظام رئاسي تعلو فيه سلطة الرئيس دستوريا على السلطات الاخرى ، ولكن دائما يحدث افتراق بين الشخص المرشح للرئاسة وذاته عندما يصبح رئيسا ، كما أن سمو سلطة الرئيس غير مطلقة بل مقيدة بـ (الدولة العميقة) ، أيضا إن كان ترامب متطرف يميني فهو نتاج صعود اليمين وتغلغلهم في مراكز القرار منذ الرئيس بوش الأب .

الشخص المرشح للرئاسة دائما يبدو بمظهر الحرص على المصلحة القومية ، وعندما تكون المنافسة محتدمة وخصمه الانتخابي جزءا من السلطة القائمة لا يتورع المرشح عن كشف عيوب منافسه بل وتضخيم هذه العيوب ومحاولة تحريض الشعب عليه بكل الوسائل ، وفي الحملة الانتخابية الأخيرة وصلت الأمور لدرجة الإسفاف ، وفي هذه الحالة تلعب الشخصية دورا مهما وخصوصا إن كانت شخصية استفزازية وعدوانية وبهلوانية . لكن هذا الخطاب في الواقع موجه للتأثير على عواطف ومشاعر المواطنين وخصوصا البسطاء وكسب أصواتهم ، وهدف هذا الخطاب تغيير الرئيس فقط وليس تغيير السياسات والاستراتيجيات ، فهذه لها ميدانها وطرائقها المختلفة والتي لا يشارك فيها الجمهور .

الرؤساء في الولايات المتحدة الأمريكية يضعون ويتركون بصماتهم على سياسة وإستراتيجية البلاد ولكن لا تتغير السياسيات والاستراتيجيات جذريا مع كل رئيس جديد ، فحتى الولايات المتحدة فيها (الدولة العميقة) التي تفرض نفسها على كل رئيس جديد ، والدولة العميقة تتكون من : المركب العسكري /الصناعي ، أعضاء الكونجرس ، البنتاغون ، المخابرات الامريكية CIA  ، مراكز الأبحاث والدراسات ، اللوبيات أو جماعات الضغط ، والضمير والحس الجمعي عند الأمريكيين الذي يظهر عند الأزمات  .

 عندما يصل المرشح لسدة الحكم فإن قدرة الرئيس على التفرد بالقرار تبقى محدودة وخصوصا إن كان حديث العهد بالحكم ، سيواجَه بمؤسسات وبحقائق فيبدأ سلسلة التراجعات عن وعوده والالتزام بالواقعية السياسية المبنية على المصالح القومية وتوازن القوى وليس على الشعارات .

لو أخذنا مثلا المرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية حتى الآن لوجدنا أنه بالرغم من تعاقب عدة رؤساء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي إلا أن الاستراتيجية الأمريكية تجاه العالم الخارجي لم تتغير كثيرا ، لا تجاه الاتحاد السوفيتي / روسيا الاتحادية ، ولا تجاه اوروبا ولا تجاه الصراع العربي الإسرائيلي ، نلمس تغييرا في الخطاب واللغة وفي السياسة بما هي دون الاستراتيجية ، وليس تغييرا في الاستراتيجية نفسها .

الدولة العميقة في الولايات المتحدة تحتاج بين الفينة والأخرى لرؤساء مختلفين لتعديل بعض السياسات أو تحسين صورة الدولة في العالم ، فتشغل الماكينة الانتخابية وأدواتها الخفية للتأثير على الجمهور لإنجاح من تريد بوسائل ديمقراطية من حيث الشكل فقط  ، بمعنى أن الشعب لا ينتخب الرئيس بل يُصار إلى انتخاب الرئيس بواسطة الشعب .

ما جرى مع الرئيس أوباما مثالا حيا على ذلك ، حيث وصلت سمعة واشنطن في عهد بوش الابن إلى الحضيض بعد احتلال العراق وأفغانستان وحملتها ضد الإرهاب ، وكانت واشنطن بحاجة لتحسين صورتها في العالم العربي والإسلامي على وجه الخصوص ، وكانت الدولة العميقة بحاجة لتغيير سياساتها بما لا يؤثر على مصالحها الاستراتيجية ، فتم تركيز الانظار على اوباما الأسود البشرة ومن خلفية إسلامية والمتسم بالطيبة والبراءة .

أظهرت الحملة الانتخابية للرئيس أوباما وكأن أوباما شخص جديد بنهج جديد معارض لسياسات بوش الابن ، ورأينا كيف هلل البعض من العرب والمسلمين لخطاب أوباما في جامعة القاهرة في يونيو 2009  عندما تحدث عن تغيير في السياسة الخارجية الأمريكية سواء من حيث التدخل العسكري الامريكي في افغانستان والعراق ،و بالنسبة للصراع العربي الإسرائيلي ، ورأينا بعد ذلك كيف أن التدخل العسكري الخارجي زاد بشكل كبير وتوسع مداه بل مع أوباما ووزيرة خارجيته تم صنع الفوضى في المنطقة والتي سماها أوباما ربيعا عربيا ، ورأينا كيف تبخرت وعود أوباما بالنسبة للدولة الفلسطينية والسلام في الشرق الأوسط ، وكانت السياسة الامريكية تجاه الشرق الأوسط في عهد أوباما الأكثر سوءا من كل الرؤساء السابقين .

كما أن الرئيس أوباما خضع في النهاية للدولة العميقة وتبخرت كل وعوده الانتخابية ، نفس الأمر سيكون مع رونالد ترامب ، لأن ترامب ليس من صنع نفسه والدولة العميقة تحتاج لشخصية مثل ترامب بعد إيفاء أوباما /كلنتون لمهمتهم ، وبعد انكشاف حقيقة ما يسمى بالربيع العربي والدور الأمريكي وراء صناعته وصناعة تنظيم الدولة وكثير من المنظمات الإرهابية .

الاستراتيجية الامريكية في عهد اوباما / كلينتون لم تكن فاشلة بل حققت وبامتياز المصالح الإستراتيجية الامريكية وخصوصا في الشرق الأوسط : أسعار النفط في تدهور ، سيطرة واشنطن والغرب على اغلب مصادر النفط ، إسرائيل تعيش عصرها الذهبي ، تم تدمير كل من كان يهدد أو يُحرض على المصالح الامريكية وعلى إسرائيل من صدام حسين إلى القذافي إلى الأسد ، استنزاف الأموال العربية ، تنشيط صناعة السلاح في الغرب حيث صفقات تسلح للعرب بمئات ملايير الدولارات ، وبعد كل هذا الخراب والدمار فستنعش الشركات المدنية الأمريكية والغربية من خلال العقود التي ستبرمها مع ما سيتبقى من دويلات عربية لتعمير بعض ما دمرته الحرب .

لكن هذه الاستراتيجية كان لها ثمن باهظ على سمعة واشنطن بعد انكشاف دورها فيما يجري وخصوصا في سوريا والعراق والوضع الإنساني الخطير الناتج عن التدخل الأمريكي ، وبالتالي فواشنطن تحتاج لتحسن صورتها وتبرئة نفسها مما يجري من خراب ، فكانت الحاجة لأشخاص محددين – كلينتون وأوباما والحزب الديمقراطي - لتحميلهم مسؤولية التداعيات السلبية لهذه الاستراتيجية ، والانتقال نحو مرحلة جديدة بأشخاص جدد ، والرئيس الامريكي الجديد ترامب يعلم ذلك .

دونالد ترامب سيبدأ بالتدريج بالتراجع أو إعادة النظر او إعادة تفسير كل ما ورد في حملته الانتخابية سواء بالنسبة لعلاقة واشنطن بأوروبا أو بالنسبة لاتفاقية المناخ وهو ما أثار غضب الأوروبيين ، أو بالنسبة لروسيا ، أو موقفه من الإسلام والمسلمين . سيبدأ ترامب بالاستماع جيدا والخضوع تدريجيا للدولة العميقة والمصالح الاستراتيجية القومية للأمة الامريكية . لا شك أن ترامب سيكون اكثر صداما في بعض الملفات ولكنه لن يُحدِث إلا تغييرات بسيطة لن تمس في العمق الاستراتيجية الامريكية في المنطقة ، التغيير سيكون على مستوى التكتيك والسياسة وليس على مستوى الاستراتيجية ، وخصوصا فيما يتعلق بصراعات الشرق الأوسط .

فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية كان ترامب خلال حملته الانتخابية أكثر صراحة وكان أكثر عدوانية تجاه الفلسطينيين وأكثر تأييدا لإسرائيل ، ولكن لا نعتقد أن في ذلك فرق كبير بينه وبين أوباما ، ففي عهد أوباما/كلينتون حاولت الإدارة الامريكية أن تبدو موضوعية بل حاول أوباما ، كما أشرنا أعلاه ، أن يبدو متعاطفا مع الفلسطينيين والمسلمين ولكنه عمليا مارس عكس ذلك .

المهم بالنسبة للفلسطينيين والعرب أن يتوقفوا عن المراهنة على كل رئيس جديد للولايات المتحدة الامريكية وأن يحاولوا البحث عن مصالحهم القومية من خلال علاقات متوازنة مع كل الدول الكبرى ، وعلى الفلسطينيين الاستعداد لمزيد من العدوانية الإسرائيلية وتوسيع النشاط الاستيطاني مع موقف أمريكي أقل تعاطفا مع الفلسطينيين وحقوقهم المشروعة .

[email protected]

×
أخبار
تركيا وحرب إيران: الهندسة العسكرية لردع مزدوج وتبلور «القطب الإقليمي الثالث» و س ج: إدارة ترامب ستفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية أ ف ب: تحالف سبعة تنظيمات مسلحة معارضة للإطاحة بالحكومة في إثيوبيا بعد الهزيمة التاريخية في انتخابات ولايات ألمانية..ميرتس يتعهد بالمضي قدماً في الإصلاحات "ذا نيويوركر" تسلط الضوء على "قطر غيت" وشبكات النفوذ في مكتب نتنياهو صحيفة سويسرية: خطة ألمانية قد تؤدي لترحيل نصف مليون سوري تقرير: سيناريو استخباراتي يُثير مخاوف دول الخليج وتركيا حال سقوط نظام إيران عبد العاطي لوفد المنظمات اليهودية الأمريكية: نرفض أية محاولات لتهجير الفلسطينيين وثيقة سرية: روسيا وإيران توسعان قنوات مالية وتجارية للالتفاف على العقوبات رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل ميلوني تعلن إجراءات جديدة في المدارس الإيطالية بينها حظر النقاب هرتسوغ كان يعرف ما الذي يفعله عندما أصدر عفوًا عن عزاريا قبل أقل من 40 يومًا من الانتخابات  وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط