مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

حين يُخفى الأسير عن العالم... يصبح الصمت شريكًا في الجريمة

حين يُخفى الأسير عن العالم... يصبح الصمت شريكًا في الجريمة

تاريخ النشر: 2026-08-10 | 13:38

سامي إبراهيم فودة
سامي إبراهيم فودة

بقلم:

ليست كل الحكايات تبدأ بولادةٍ وتنتهي برحيل، فبعض الحكايات تبدأ من خلف القضبان، وتظل معلّقة بين الحياة والموت، حتى يأتي الخبر متأخرًا كطعنةٍ أخرى في قلب عائلةٍ انتظرت طويلًا، وسألت طويلًا، ولم تجد جوابًا.

هكذا كانت حكاية الأسير الشهيد إيهاب محمد عبد القادر دياب، ابن قطاع غزة، الذي دخل المعتقل يوم 12 ديسمبر/كانون الأول 2023، ولم يخرج منه حيًّا، ولم يُمنح حتى حق أن تعرف عائلته مصيره.

دخل إيهاب المعتقل وهو في السادسة والثلاثين من عمره، وبحسب عائلته كان سليمًا معافى، لا يحمل مرضًا يفسّر النهاية التي آلت إليها حياته. ثم أُسدل عليه ستارٌ كثيف من الصمت، وغاب اسمه خلف جدران السجون، وغابت معه أخباره، وبقيت عائلته معلّقة على خيطٍ رفيع من الأمل.

تسعة أشهر تقريبًا مرّت على اعتقاله، حتى تشير المعطيات إلى أن 18 سبتمبر/أيلول 2024 قد يكون التاريخ المرجّح لاستشهاده.

لكن المأساة لم تتوقف عند موته.

فالأشد قسوة أن إيهاب، بعد أن فارق الحياة، ظل غائبًا عن أهله وعن العالم، وكأن الاحتلال أراد أن يقتل الإنسان مرتين: مرةً داخل السجن، ومرةً حين يحجب عنه الحقيقة، ويترك عائلته أسيرة الانتظار.

عامان تقريبًا ظل فيها السؤال معلقًا:

أين إيهاب؟

هل ما زال حيًّا؟

ما الذي جرى له؟

وأين جثمانه؟

أسئلة لا ينبغي أن تحتاج عائلةٌ إلى سنوات حتى تجد لها إجابة.

حين يصبح الصمت جزءًا من الجريمة

إن قضية إيهاب دياب لا يمكن النظر إليها باعتبارها وفاة أسير وحسب؛ فهي تفتح الباب واسعًا أمام واحدة من أخطر القضايا التي رافقت اعتقال أبناء قطاع غزة: الإخفاء القسري، وغياب المعلومات، وانقطاع الأسرى عن العالم الخارجي.

فالأسير الذي يُعتقل، ثم تُحجب معلوماته، ويُمنع أهله من معرفة مكانه أو وضعه الصحي، يصبح إنسانًا بلا صوت، بينما تتحول عائلته إلى سجينةٍ لانتظارٍ لا تعرف له نهاية.

ومن هنا تأتي خطورة قصة إيهاب؛ لأنها لا تتحدث عن رجلٍ واحد فقط، وإنما تضع أمام الضمير الإنساني سؤالًا أكبر:

كم إيهابًا آخر لا تزال عائلاتهم تنتظر معرفة مصيرهم؟

إن الأرقام التي تُعلن عن شهداء الحركة الأسيرة منذ عام 1967، وعن الذين ارتقوا منذ السابع من أكتوبر، وعن الجثامين التي ما زالت محتجزة، ليست مجرد أرقام في تقارير رسمية؛ خلف كل رقم اسم، وخلف كل اسم أمٌّ وأبٌ وزوجةٌ وأبناء، وخلف كل جثمان حكاية عائلةٍ تنتظر حقها في الوداع.

وبحسب المعطيات الواردة في هذا الملف، ارتفع عدد شهداء الحركة الأسيرة منذ عام 1967 إلى 328 شهيدًا، بينهم 91 شهيدًا منذ السابع من أكتوبر 2023، منهم 53 من قطاع غزة، فيما لا تزال 99 جثمانًا لشهداء أسرى محتجزة، في ظل وجود نحو 9400 أسير في سجون الاحتلال.

إيهاب... لم يكن رقمًا

كان إيهاب إنسانًا قبل أن يكون أسيرًا، وكان له بيتٌ ينتظره، وأهلٌ يعرفون تفاصيل صوته وملامحه وخطواته.

كان له أحلام لم تكتمل، وأيام كان من حقه أن يعيشها، وعودة كان ينتظرها من خلف القضبان.

لكن السجن اختصر كل شيء.

ثم جاء الموت، ولم تأتِ معه الحقيقة.

وهنا تكمن مرارة الفقد؛ فالعائلة التي تفقد عزيزها تستطيع، رغم الألم، أن تودعه وتدفنه وتضع على قبره وردةً وتقرأ الفاتحة. أما عائلة الأسير الذي يُحتجز جثمانه، فتظل عالقة في منتصف الحكاية؛ لا هي استطاعت أن تودّع، ولا هي استطاعت أن تنسى.

وهذا هو الوجع الذي تركه إيهاب وراءه.

من المسؤول عن الحقيقة؟

إن الكشف عن استشهاد إيهاب بعد هذه المدة الطويلة يستوجب أكثر من إعلان خبر الوفاة.

إنه يحتاج إلى تحقيق مستقل وشفاف في ظروف اعتقاله ووفاته، ومعرفة ما جرى له منذ لحظة اعتقاله، وتحديد المسؤوليات، وكشف حقيقة مكان احتجاز جثمانه، وتمكين عائلته من حقها الطبيعي والإنساني في معرفة الحقيقة واستلام جثمان ابنها ودفنه بما يليق بكرامة الإنسان.

كما أن التعامل مع وفاة الأسرى باعتبارها مجرد "حالات صحية" لا يمكن أن يغلق الملف، خصوصًا عندما تتحدث العائلات عن سلامة أبنائها عند الاعتقال، وعندما تأتي الوفاة في سياق واسع من الشهادات حول ظروف الاحتجاز والتعذيب والإهمال الطبي.

إيهاب ليس ملفًا يُغلق بخبر.

إيهاب شاهد.

شاهد على زمنٍ أصبح فيه الأسير قد يغيب عن أهله، ثم يغيب حتى خبر موته، ويظل جثمانه هو الآخر خلف القضبان.

إلى عبد الحليم دياب... وإلى عائلة إيهاب

إلى الأخ والصديق عبد الحليم دياب، وإلى عموم عائلة دياب الكريمة:

نعلم أن الكلمات مهما بلغت لن تردّ إيهاب، ولن تمحو وجع عامين من الانتظار، ولن تعيد تلك اللحظات التي كان فيها السؤال يتكرر كل يوم: أين هو؟

لكن عزاءكم أن إيهاب لم يمت منسيًا.

لقد عاد اسمه إلى الواجهة، لا كرقمٍ في سجل، وإنما كإنسانٍ له اسم ووجه وحكاية، وكشهيدٍ يجب أن تُعرف الحقيقة كاملةً بشأنه.

رحم الله الشهيد الأسير إيهاب محمد عبد القادر دياب، وأسكنه فسيح جناته، وربط على قلوب أهله وذويه، وألهمهم الصبر والثبات.

أما جثمانه، وجثامين الأسرى الشهداء المحتجزة، فستبقى قضيةً مفتوحة لا يغلقها النسيان.

فالأوطان التي تحفظ أسماء شهدائها لا تسمح بأن تتحول جثامينهم إلى أسرار.

رحم الله إيهاب دياب...

ذلك الصوت الذي حاولت العتمة أن تبتلعه،

فخرج من بين جدرانها شاهدًا على الحقيقة.

×
أخبار
قراءة استطلاعية مغايرة ترسم خريطة الكنيست الإسرائيلي وتحسب سيناريوهات الائتلاف سلام سلاح للأشقاء في الخليج ف.تايمز: قادة الأعمال الأمريكيون بدأوا يدركون مخاطر الشعبوية الثرية تكساس: قسّ ديمقراطي يهدد عرش ترامب ويقلب حسابات الجمهوريين شركات إسرائيلية تتنافس على مناقصات إعمار غزة بقيمة 70 مليار دولار آيزنكوت: لن أجلس مع نتنياهو في حكومة يقودها.. وهو محرك الفوضى في الضفة الغربية  نتنياهو: الهجوم "المزعوم" على الدبلوماسيين الأوروبيين في الضفة اتهامات خطيرة تتطلب أدلة جادة تقرير: تآكل المكانة الدولية لإسرائيل أزمة استراتيجية تفاقمت بفرص التخلي عن الشرعية الشيخ يرحب بقرارات القمة الأوروبية المطالبة بوقف الاستيطان والإفراج عن المقاصة وزير خارجية بلجيكا يطالب بفرض عقوبات أوروبية على المستوطنين مرتكبي العنف وداعميهم سنتكوم: 97% من السفن نجحت في محاولتها عبور مضيق هرمز تل أبيب تسعى لإنهاء الاعتماد المالي على المساعدات الأمريكية والانتقال نحو "الشراكة التكنولوجية والصناعية" الخارجية الفلسطينية تدين إرهاب المستوطنين بحق المواطنين والدبلوماسيين وممثلي الكنائس  «فورين بوليسي»: "حرب ما تحت البحر".. صراع الظل الممتد في قاع المحيطات والمهدد للبنية التحتية العالمية توماس فريدمان يشن هجوماً حاداً على صفقة «الديمقراطية مقابل الديزل» مع موسكو تقرير: آيزنكوت ينافس نتنياهو على المزايدة في التشدد قبيل الانتخابات الإسرائيلية الشيخ يدين اعتداء المستوطنين الإرهابيين على دبلوماسيين في رام الله: نموذج مصغر تجدد احتجاجات «السترات الصفراء» والحراك الطلابي في فرنسا ضد التدهور الاقتصادي وضغوط الاقتراض تقرير: كيف يُسخَّر الجنرالات المتقاعدون لصياغة السياسة الدفاعية الأمريكية لصالح إسرائيل اعتداء مستوطنين على قناصل ودبلوماسيين أوروبيين في بالضفة يُحدث أزمة دبلوماسية تقرير: أزمة تجنيد الحريديم تحوّل الانتخابات الإسرائيلية إلى معركة على هوية الدولة ووجودها "نيويورك تايمز": تحول استراتيجي في هجمات الحوثيين يضع الدفاعات العسكرية السعودية أمام اختبار معقد «الغارديان»: تداعيات حرب غزة تحوّل النسيج الأوروبي إلى ساحة لاختبار صلابة القيم والديمقراطية لقاء قيادي في القاهرة بين تيار الإصلاح الديمقراطي واللجنة المركزية لحركة فتح لبحث الوحدة الحركية والوطنية معاريف: 3 سيناريوهات عسكرية أمريكية إسرائيلية محتملة لضرب إيران ترامب ومأزق «الفوز» في إيران: خطورة وهم الضغط العسكري وغياب التسوية السياسية السيسي: إذا طلب منا سنتخذ أي إجراء لحماية المملكة العربية السعودية - فيديو وزير الخارجية المصري يشدد خلال لقائه نظيره الإيراني على ضرورة خفض التصعيد في المنطقة أمريكا تستغل الهجمات الحوثية لفرض التطبيع على السعودية من خلال أسلحة إسرائيلية الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,469 شهيدا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط