تاريخ النشر: 2026-10-04 | 16:38
تاريخ النشر: 2026-10-04 | 16:38
اعادة تدوير الازمة الفلسطينية تحت مسميات جديدة لا تجعلها حلا ونقل المسؤولية المدنية من طرف الى طرف لا ينهي الاحتلال ولا ينشئ كيانا سياسيا مستقلا.
ومن هذه الزاوية تكتسب الخطة التي طرحها افيغدور ليبرمان بشأن الضفة الغربية اهميتها وخطورتها في آن واحد ليس فقط باعتبارها اقتراحا سياسيا اسرائيليا وانما باعتبارها مؤشرا على نوع الافكار التي قد تجد طريقها الى طاولة الحكومة الاسرائيلية المقبلة.
ليبرمان طرح ان تتولى الاردن ادارة الحياة اليومية والنظام العام في المناطق المصنفة أ وب، بينما تحتفظ اسرائيل بالمسؤولية الامنية في كامل الضفة الغربية مع الحفاظ على ما وصفه بالاستمرارية الاقليمية والسيطرة الاسرائيلية على المناطق المصنفة ج.
كما استخدم تعبير كونفدرالية اسرائيلية اردنية في وصف التصور الذي طرحه هذه التفاصيل ليست هامشية لأنها تكشف جوهر الفكرة وهي نقل جزء من ادارة شؤون الفلسطينيين الى طرف عربي مع عدم نقل السيادة او السيطرة الاقليمية إليهم.
وقد نقلت وسائل اعلام اسرائيلية هذا الطرح بوصفه برنامجا سياسيا يتعلق بمستقبل الضفة الغربية ويجب التنبه الى خطورة المصطلح نفسه فالكونفدرالية ليست مجرد صيغة ادارية يمكن إطلاق اسمها على اي ترتيب بين دولتين او سلطتين في الفكر السياسي والقانون الدستوري تقوم الكونفدرالية على تعاون بين كيانات سياسية مستقلة وذات سيادة تدخل في علاقة تعاقدية لتحقيق مصالح مشتركة مع احتفاظ كل طرف بشخصيته الدولية وسيادته.
وهذا ما عبر عنه جلالة الملك عبد الله الثاني بوضوح في مواقف اردنية سابقة عندما قال ان الكونفدرالية تكون بين دولتين مستقلتين وانها لا يمكن ان تكون بديلا عن قيام الدولة الفلسطينية وهنا يظهر دوما موقف الأردن الراسخ حول هذا الموضع وهو ما عبرت عنه الأردن في كل المنابر والمحافل الدولية وبالتالي فان استخدام تعبير الكونفدرالية لوصف ترتيب لا تكون فيه فلسطين دولة مستقلة ذات سيادة بينما تحتفظ اسرائيل بالسيطرة الامنية على كامل الضفة يضعنا امام مفهوم مختلف فنحن لا نتحدث عن كونفدرالية بالمعنى المعروف بل عن صيغة ادارة اقليمية غير متكافئة يجري فيها توزيع بعض الوظائف الادارية من دون توزيع السيادة .
الاهم من ذلك ان هذا التصور يصطدم مع طبيعة الترتيبات التي انشأتها اتفاقية اوسلو فالاتفاقية قسمت الضفة الغربية الى مناطق أ وب وج وحددت لكل منطقة صلاحيات ومسؤوليات معينة ومنحت الجانب الفلسطيني اختصاصات مدنية وامنية بدرجات مختلفة مع بقاء مسؤوليات اسرائيلية محددة وفقا للاتفاق كما نصت الاتفاقية على ان الضفة الغربية وقطاع غزة يشكلان وحدة جغرافية واحدة خلال المرحلة الانتقالية وان قضايا الوضع النهائي تشمل قضايا اساسية مثل الحدود والمستوطنات والقدس واللاجئين والعلاقات الخارجية. وهنا يجب الحذر من فكرة خطيرة تحاول إسرائيل ان تجعلها هي الأساس في العلاقة بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي وهي تحويل الترتيبات الانتقالية والمؤقتة الى واقع دائم ثم البحث عن مسميات جديدة لتبرير هذا الواقع وهذا بالضبط ما تقوم إسرائيل بممارسته من خلال خلق واقع جديد على الأرض عنوانه التهويد وسرقة الأرض ويحب التذكير بأن اتفاقية اوسلو لم تنشئ نموذجا يقوم على ادارة اجنبية للسكان الفلسطينيين بدلا من حقهم في تقرير مستقبلهم السياسي ولم تجعل تقسيم المناطق الثلاث صيغة نهائية لوضع الضفة الغربية بل كانت هذه الترتيبات جزءا من مرحلة انتقالية يفترض ان تقود الى مفاوضات الوضع النهائي كما ان الامم المتحدة نفسها تشير الى ان تقسيم المناطق أ وب وج كان ترتيبا انتقاليا و كان يفترض ان ينتهي مع التوصل الى اتفاق نهائي.
وعموما فان نقل ادارة السكان من السلطة الفلسطينية الى الأردن كما يسعى ليبرمان من خلال تبني ذلك كاستراتيجية بعد الانتخابات الإسرائيلية القادمة هو الهدف النهائي الذي يبدو ان الحكومة الإسرائيلية القادمة تسعى اليه وهو ما حذرنا منه دوما عندما قلت ان أي شكل من اشكال الحكومة القادمة التي ستتولى إدارة إسرائيل ستتعامل مع ما هو موجود بل ستبني عليه ولكنها ستستخدم طرقا أكثر نعومة حتى تهدئ من الصخب الدولي لا أكثر.
ومن جديد لابد من الإشارة الى الموقف الأردني الواضح والذي لا يقبل التأويل والمعلن منذ سنوات يؤكد ان اي علاقة كونفدرالية او فدرالية بين الاردن وفلسطين لا يمكن ان تكون بديلا عن الدولة الفلسطينية وان تحديد شكل العلاقة بين الاردن وفلسطين يجب ان يكون قرارا حرا للشعبين بعد قيام دولة فلسطينية مستقلة.
القضية الفلسطينية ليست قضية تحسين ادارة مدنية فقط وهي ليست قضية اختيار شرطي او موظف او جهة ادارية تقوم بتقديم الخدمات للسكان القضية تتعلق بالسيادة وتقرير المصير والاقليم والحدود والتمثيل السياسي لذلك فان استبدال سؤال من يحكم الارض بسؤال من يدير السكان يمكن ان يؤدي اذا تحول الى سياسة دائمة الى افراغ القضية من مضمونها السياسي وتحويلها الى مسألة إدارية وهذا لن يحدث.
ومن هنا ينبغي التعامل بجدية مع احتمال ان تكون مثل هذه التصورات جزءا من رؤية إسرائيلية قادمة فبدلا من الحديث عن دولة فلسطينية يجري الحديث عن ترتيبات امنية وبدلا من الحديث عن السيادة يجري الحديث عن الادارة وبدلا من الحديث عن حدود يجري الحديث عن كانتونات.
وفي النهاية، فان أخطر ما في هذه الافكار ليس انها تحمل اسما جديدا بل انها قد تقدم واقعا قديما في ثوب جديد ادارة بدلا من دولة امن بدلا من سيادة ترتيبات مؤقتة بدلا من اتفاق نهائي.
الموافقة على شروط النشر: 1
صورة شخصية للكاتب:
ارفاق ملف:
روابط التواصل الاجتماعي: