الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

تل أبيب المدينةُ العامرةُ ومدنُ العربِ الساقطةُ

تل أبيب المدينةُ العامرةُ ومدنُ العربِ الساقطةُ

تاريخ النشر: 2018-09-20 | 08:52

لا يظن أحدٌ أن مدننا المدمرة هي فقط في سوريا والعراق، وليبيا واليمن، وفلسطين والصومال، وغيرها مما هي على ذات الطريق، فتلك عواصمها شواهدٌ على الدمار، ومدنها جميعاً أصابتها يد البلى والخراب، حتى غدت مثالاً على البؤس والشقاء، وصوراً حقيقية عن العدم والفناء، بعد أن دُمِّرت علناً وخُرِّبت عمداً، وتفككت جيوشها قصداً، ودخلتها قطعانٌ مقاتلون متعددو الجنسيات.
إن هذه المدن أريدَ لها أن تدمرَ، وخُططَ لها أن تخرب، لأنه كان لجيوشها دورٌ، ولمقدراتها مكانٌ، وكانت عقيدتها قتالية، ونظرتها إلى الكيان الصهيوني عدوانية، وكانت شعوبها على استعدادٍ للدخول في المعركة وللمشاركة في القتال، فقوض المعادون لأمتنا بنيانها، وخربوا عمرانها، وأشغلوها بنفسها عن غيرها، وحرفوها عن واجبها لجهة همومها ومشاكلها الداخلية التي اصطبغت بالدم وعمت فيها الوحشية.
لكن بقية مدننا العربية التي تبدو شوارعها مضاءة، وحدائقها غناءة، ومبانيها عالية، وواجهات محلاتها عامرة، وسياراتها فارهة، وثياب سكانها أنيقة، فإنها في الحقيقة خربةٌ أيضاً، ومدمرةٌ كغيرها وإن كان شكلها الخارجي لا يدل على الخراب ولا يوحي بالفساد، إلا أنها خربة داخلياً وفاسدة كلياً، وهان أهلها إذ استلم غيرهم مفاتيح بلدانهم، واستولوا على مدنهم، وغدت أسرارهم عند عدوهم، الذي صار قيماً على ممتلكاتهم، ومشغلاً لمشاريعهم، ومالكاً لرؤوس أموالهم، ومحركاً لسياستهم، وموجهاً لتحالفاتهم، فإن شاء أطفأ مصابيح مدنهم فأظلمت، أو عطل مشاريعهم فأغلقت، أو جمد أموالهم فأفلسوا، أو نهب ثرواتهم ليعودوا عرباناً كما كانوا، وفقراء كما بدأوا، ينتعلون الشباشب، ويلبسون الوزرات، ويمشون على أقدامهم حفاةً في الطرقات.
بينما عدونا الذي اجتمع مستوطنوه من شتات الأرض وأصقاع الكون، وجاؤوا لفيفاً كتلافيق الثياب غير المتجانسة، فلا جنسية واحدة تجمعهم، ولا تاريخ يوحدهم، ولا لغة مشتركة تقرب بينهم وتسهل عيشهم، ولا أخلاق حسنة تسود فيهم، وقد عرفوا في تاريخهم بالقذارة والجشع، وبالطمع والربا وسوء الأخلاق والكذب، ورغم ذلك فقد احتلوا أرضنا، وسكنوا ديارنا، وطردوا أهلنا، وحلوا مكاننا، وعمروا مدنهم، وزينوا شوارعهم، وراجت تجارتهم، وتميزت صناعتهم، وازدهر اقتصادهم، وعلا بنيانهم، وحَسُن صيتهم وسما نجمهم، وقويت شوكتهم، وازدادت قوتهم، وتعاظمت قدراتهم، وتميزوا بديمقراطيتهم، واختالوا علينا بقوتهم، وسخروا من ضعفنا، وضحكوا من عجزنا، وتطاولوا علينا واعتدوا على رموزنا ومقدساتنا.
لستُ أدري أهو سوءُ طالعٍ وقلةُ بختٍ، أم هو محضُ صدفةٍ ودمارٌ من غير قصدٍ، أم هو قدرُنا المكتوبُ الذي لا مناصَ منه، وقضاءُ الله النافذ فينا الذي لا فكاكَ لنا منه ولا خلاصَ، وأنه من الله عز وجل لنا ابتلاءٌ واختبارٌ، فلا نملك تجاهه إلا الصبر والاحتساب، أم هو حصادُ أعمالنا السيئة ونتاجُ زرعنا الخبيث، وهو ما صنعته أيدينا وارتضته شعوبنا، أم هو ما نستحقه حقاً ونستأهله عدلاً، إذ هذا ما زرعنا وهو نتاج ما بذرنا، وكل نتيجةٍ لسببٍ مقدرة ومتوقعة، فلا استغراب منها ولا استنكار لها.
أم تراه فعلُ الأعداء فينا ونتائجُ مؤامراته علينا، إذ خطط لنا وانقلب علينا وتحالفَ ضدنا، أم هم المندسون بيننا والخائنون لأمتنا، الذين تآمروا علينا وانقلبوا على قيمنا، وارتضوا أن يكونوا بأيدي أعدائنا أدواتٍ قذرةٍ لسفك الدماء البريئة، ومطايا مهينة كالحمير والبغال للركوب والحمل وتنفيذ المؤامرات، أم هو الجهلُ والغباءُ، والسفه والتخلفُ، والتبعيةُ والانقيادُ، والظلمُ والتحكمُ، والهيمنةُ والسيطرةُ، والبغيُ والطغيانُ، والاستغلالُ والعدوانُ، والكبتُ والخنقُ، والحرمانُ والحصارُ، والجوعُ والبطالةُ، والسجونُ والمعتقلاتُ، والتعذيبُ والقتلُ، والنفيُ والإبعادُ، وغيرها من المفردات التي تؤسس للفساد وتقود إلى الفوضى.
شعوبنا العربية بريئة من هذه الجريمة وغير مسؤولة عنها، وهي غير مشاركة فيها ولا متواطئة مع المتورطين والمساهمين في ارتكابها، بل هي أنظمتنا العربية التي استحوذت على المواطن وأرهبته بسياساتها البوليسية وإجراءاتها القمعية، وسجونها ومعتقلاتها ووسائل تعذيبها وقهرها، فهي التي دمرت المواطن العربي من الداخل، وفرغته من مضمونه القومي، وشغلته بمشاكل وهموم يومية، وبلقمة العيش المرة، والسكن الضيق، وتكاليف الحياة الصعبة، لتتمكن منه وتسيطر عليه، ولتجبره على القبول بما تقدمه له، والسكوت عما تمنعه عنه.
ولهذا فإنها المسؤولة عن قتل روح المواطن العربي الذي لم تعد لديه القدرة على إعمار بلاده أو تطوير أوطانه، ودفعته بقوةٍ نحو الفرار والهروب والهجرة واللجوء، إذ لم يعد يرى في التضحية معنى ولا لفداء الوطن مكانٌ، عندما سرقت الأنظمة الحاكمة بلادنا، وسخرت سكانها لخدمتهم والسهر على راحتهم، وأجبرتهم على التضحية بحياتهم دفاعاً عنهم أمام شعوبهم، وتمكيناً لهم من رقاب مواطنيهم.
ألا يستحي القائمون على الأمر في بلادنا العربية، القادة والحكام، والملوك والأمراء، ورؤساء الدول والحكومات، وغيرهم من أولياء الأمر وسدنة القرار، مما آلت إليه أوضاعنا العامة، ومما حل بمدننا وقرانا، وديارنا ومناطق سكنانا، ففي عهودهم قد دمرت بلادنا، وعاث الفاسدون في أرضنا خراباً، وألحقوا بشعوبنا دماراً، وسووا بالأرض بيوتنا، وفجروا بعبثهم مبانينا، حتى غدت مدننا هياكل حجرية متهالكة، وبقايا جدران ساقطة، وبيوتاً خاوية تسكنها الأشباح أو الحيوانات الأليفة، أو احتلها محاربون وعناصر مسلحة، وسكنها غرباء ومستأجرون للقتل والخراب في بلادنا، بعد أن هجرها سكانها ورحل عنها آهلوها، إذ فقدوا الأمان والسلام فيها، وأصبحوا جميعاً عنواناً للقتل، أو مادة للتجارة والمساومة والمراهنة والمقايضة، ومقصداً للخطف والابتزاز وأخذ الخوات والفِدى والأتاوات.
فهل يحق لنا أن نتساءل نحن العرب والمسلمون لماذا ابتلينا بهذا البلاء، ونزلت بنا هذه المصائب وحلت في أوطاننا كل هذه المحن والنكسات، ونحن الذين نعتقد أننا الأفضل والأحسن، وأننا القلب والوسط، وأننا خيرة الأمم وأفضل الشعوب، وأننا الذين نتشرف بسيد الخلق محمد صلي الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، وأننا نكاد ندين جميعاً بدينٍ واحدٍ، ونتحدث لغةً عربيةً واحدة، ولدينا تاريخٌ مشترك، وعاداتٌ وتقاليدٌ موحدة.
ورغم ذلك فقد عمل فينا السيف وأوجعنا، وأثخننا بالجراح وآلمنا، فهل يدرك العرب أن المعادلة التي تحكم مدننا العربية مع المدن الإسرائيلية هي علاقة عكسية، فمتى ما كانت مدننا عامرة، وبلادنا قوية وذات منعة، كلما كانت المدن الإسرائيلية خربة وخاوية، وضعيفة وواهية، فهل نعيد إحياء هذه المعادلة الذهبية، ونبعث فيها الحياة من جديد، لنعيش بعزٍ أو نموت بكرامةٍ.

×
أخبار
تركيا وحرب إيران: الهندسة العسكرية لردع مزدوج وتبلور «القطب الإقليمي الثالث» و س ج: إدارة ترامب ستفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية أ ف ب: تحالف سبعة تنظيمات مسلحة معارضة للإطاحة بالحكومة في إثيوبيا بعد الهزيمة التاريخية في انتخابات ولايات ألمانية..ميرتس يتعهد بالمضي قدماً في الإصلاحات "ذا نيويوركر" تسلط الضوء على "قطر غيت" وشبكات النفوذ في مكتب نتنياهو صحيفة سويسرية: خطة ألمانية قد تؤدي لترحيل نصف مليون سوري تقرير: سيناريو استخباراتي يُثير مخاوف دول الخليج وتركيا حال سقوط نظام إيران عبد العاطي لوفد المنظمات اليهودية الأمريكية: نرفض أية محاولات لتهجير الفلسطينيين وثيقة سرية: روسيا وإيران توسعان قنوات مالية وتجارية للالتفاف على العقوبات رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل ميلوني تعلن إجراءات جديدة في المدارس الإيطالية بينها حظر النقاب هرتسوغ كان يعرف ما الذي يفعله عندما أصدر عفوًا عن عزاريا قبل أقل من 40 يومًا من الانتخابات  وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط