تاريخ النشر: 2026-10-09 | 22:06
تاريخ النشر: 2026-10-09 | 22:06
واشنطن: حذر تقرير تحليلي نشرته مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية من أن مستقبل القوة الصينية بات يواجه خطراً غيرا مسبوق يعود إلى تآكل قدرة الدولة على التكيف السياسي والتطور الاجتماعي، موضحاً أن التهديد الأكبر لبكين لا يكمن في نقص مواردها الاقتصادية أو العسكرية، بل في التقاء الانحدار السكاني الحاد مع نزوع النظام السياسي نحو حكم الفرد والجمود الإداري.
وأكد الكاتب كارل مينزنر—الزميل الأول لدراسات الصين بمجلس العلاقات الخارجية—في مقاله المقتبس من كتابه المرتقب «بينما تشيخ الصين»، أن بكين تدخل قرناً من التراجع الديموغرافي في اللحظة نفسها التي يفقد فيها نظامها السياسي المرونة التي مكنته سابقاً من قيادة الطفرة الاقتصادية. واعتبر أن الصين قد تبني قطارات فائقة السرعة وحاملات طائرات، لكنها تعجز عن صياغة شبكة أمان الاجتماعي مستدامة لريفها الذي يشيخ بسرعة.
تآكل القدرة على التكيف والإصلاح: يرى التقرير أن نجاح الصين في عهد الإصلاحات تحت قيادة دنغ شياو بينغ بني على مرونة الأيديولوجيا وحلول المشكلات الإدارية واستيعاب الألم الاقتصادي قصير المدى لأجل المكاسب الاستراتيجية. أما اليوم، فقد حلت العقيدة السياسية الجامدة والولاء المطلق للقيادة محل الكفاءة والحلول العملية.
الانحدار السكاني وأزمة الإنجاب: يعود التراجع السكاني في الصين إلى أسباب هيكلية واجتماعية عميقة؛ حيث ينخفض عدد السكان بمعدل يتراوح بين 3 و4 ملايين نسمة سنوياً (ما يعادل تعطل نمو مدينة بحجم لوس أنجلوس كل عام)، مع توقعات بأن يتضاعف التراجع ليصل إلى 10 ملايين سنوياً بحلول الأربعينيات. كما أدى تراجع الزيجات الجديدة بنسبة 55% بين عامي 2013 و2024 إلى تفاقم الأزمة، في ظل فشل سياسات التحفيز الحكومية أمام التصلب الاجتماعي المعادي لتمكين المرأة.
اتساع الفجوة الاجتماعية واقتصاد الامتيازات: ترفض النخبة الحزبية مساس امتيازات المتقاعدين والموظفين في المدن خوفاً من القلاقل الاجتماعية، مما يلقي بعبء الأزمات على سكان الريف والمهاجرين. وتظهر الأرقام فجوة حادة؛ حيث بلغ متوسط المعاش الحضري نحو 6,080 دولاراً سنوياً في مقابل 345 دولاراً فقط للمتقاعد في الريف (فارق يصل إلى 18 ضعفاً)، وسط توقعات بنفاد صندوق التقاعد الحضري بحلول منتصف ثلاثينيات القرن الحالي.
أمننة المشكلات الاجتماعية وزيادة الانغلاق: تتجه السلطات نحو التعامل مع التبعات السكانيّة عبر الأدوات الأمنية والمراقبة المباشرة، متجاهلة الهجرة الأجنبية كحل ممكن؛ إذ لا تتجاوز نسبة الأجانب 0.1% من إجمالي السكان. وقد أدى الخطاب القومي المتصاعد إلى إفشال المبادرات الحكومية الأخيرة لاستقطاب الكفاءات الشابة من الخارج.
درس أسرة مينغ التاريخي: يقدم المقال مقاربة تاريخية مع آليات انهيار أسرة مينغ (1368–1644)، مشيراً إلى أن الانكفاء الداخلي وتهميش الريف والشلل السياسي في قمة السلطة كان السبب الرئيسي لسقوط الإمبراطورية من الداخل قبل أي تدخل أو تهديد خارجي.
ختاماً، يحذر المقال صناع القرار في واشنطن من التعامل مع الأزمة الصينية بشماتة أو تحويل التنافس إلى "صراع وجودي"؛ إذ يوفر هذا الخطاب للقيادة الصينية كبش فداء خارجياً لتبرير الأزمات الداخلية.
وأكد الباحث أن الولايات المتحدة نفسها تُواجه تراجعاً في معدلات الخصوبة ومخاطر تصلب سياسي، غير أن الفارق الجوهري يكمن في أن أمريكا لا تزال تملك حرية الاختيار وتغيير سياساتها عبر صندوق الاقتراع، بينما فقدت الصين في عهدها الحالي ترف الاختيار والمناورة.