الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

بين رغبة واشنطن في التهدئة ورهان نتنياهو على استمرار الحرب

تكشف التطورات الأخيرة المرتبطة بالمواجهة مع إيران عن مفارقة سياسية عميقة: إدارة أميركية تميل إلى إنهاء الحرب، مقابل قيادة إسرائيلية تحتاج إلى استمرارها. هذه ليست مجرد فجوة في التقدير، بل اختلاف في وظيفة الحرب ذاتها داخل كل نظام. بالنسبة لـ دونالد ترامب لم تعد الحرب أداة مريحة. صحيح أنه لا يتردد في التهديد بتدمير شامل، ولا يتخلى عن سياسة “الضغط الأقصى”، لكن المؤشرات تتزايد على أنه يسعى إلى مخرج سياسي، ولو كان مؤقتاً. فالحرب التي طالت أكثر مما ينبغي بدأت تتحول إلى عبء داخلي: تراجع في الشعبية، تشققات في الخطاب المحافظ، ومخاوف من التورط في سيناريو مفتوح لا يمكن ضبطه.

لكن هذا  "التعب" لا ينبغي تفسيره بوصفه نزعة سلمية. ما يريده ترامب، على الأرجح، ليس إنهاء الصراع بقدر ما هو إعادة تعريف أدواته: تقليص الكلفة المباشرة، تكثيف الضغط الاقتصادي، والإبقاء على التهديد العسكري كخيار جاهز. إنها محاولة للانتقال من حرب مكلفة إلى إدارة صراع منخفضة الكلفة وعالية التأثير.

في المقابل، يقف بنيامين نتنياهو في موقع مختلف تماماً. فالحرب، بالنسبة له، ليست عبئاً بل ضرورة سياسية. هي الإطار الذي يُعيد ترتيب أولويات الداخل، ويؤجل الأسئلة الصعبة، ويمنحه القدرة على التحكم في الإيقاع السياسي. لذلك، فإن أي تهدئة إقليمية – سواء في إيران أو لبنان – لا تُقرأ في إسرائيل بوصفها إنجازاً، بل كتهديد محتمل لتماسك الحكومة.

لكن هذه المفارقة لا تعني تعارضاً كاملاً بقدر ما تعكس إختلافاً في مستوى إدارة الصراع. فالهدنة التي يدفع بها دونالد ترامب لا تُعبّر عن رغبة في إنهاء الحرب، بل عن محاولة لإعادة ضبط إيقاعها وتقليل كلفتها، مع الإبقاء على أدوات الضغط قائمة. في المقابل، يحتاج بنيامين نتنياهو إلى استمرار هذا الإيقاع أو نقله إلى ساحات أخرى، لأن توقفه الكامل يفتح الباب أمام استحقاقات داخلية مؤجلة. وهكذا، لا يدور الخلاف حول الحرب ذاتها، بل حول توقيتها ووظيفتها وحدودها.

في الجبهة اللبنانية، تتضح الفجوة بين الخطاب والواقع. فخلافاً للصورة التي تُقدَّم للجمهور الإسرائيلي، لا يدور الحديث عن حرب واسعة النطاق، بل عن عمليات محدودة، بقوات أقل، وأهداف تكتيكية ضيقة. الانخراط البري محدود، الاعتماد الأكبر على النيران عن بُعد، والجيش يتجنب توسيع المواجهة إلى مستوى لا يستطيع تحمّله.

هذا النمط يعكس قيداً مزدوجاً: استنزاف واضح في القوات، وإدراك بأن أي تصعيد واسع قد يفتح مواجهة لا يمكن احتواؤها. ومع ذلك، تستمر السردية الرسمية في تضخيم حجم العمليات للحفاظ على صورة الردع. النتيجة هي حالة من الحرب المُدارة: لا حسم، ولا انسحاب، بل توازن هشّ يسمح باستمرار الاشتباك دون انفجار شامل. لكن هذا النوع من الحروب لا ينتج “نصراً” يمكن تسويقه داخليًا.

ويكتسب هذا التوصيف مصداقية إضافية حين يأتي من داخل الإعلام الإسرائيلي نفسه، حيث يجري الاعتراف بأن القتال الفعلي في لبنان يدور في نطاق محدود، “بمئات المقاتلين، لا آلاف أو عشرات الآلاف كما قد يعتقد الجمهور”، مع الإقرار بأن الوحدات القتالية “مرهقة، ولا يمكن تكليفها بمهام طموحة أكثر من اللازم”. والأهم أن هذا التقييم نفسه يشير إلى أنه رغم التفوق العسكري، “لا تظهر على حزب الله علامات انكسار”، ما يكشف مأزقاً مركباً: قوة نارية كبيرة بلا قدرة على الحسم.

هنا تحديداً تعود غزة إلى مركز المشهد. ليس لأن المعادلة العسكرية تغيّرت، بل لأن الحاجة السياسية للحرب ما زالت قائمة. فالحكومة الإسرائيلية، التي لم تستطع تحقيق أهدافها المعلنة، تجد نفسها أمام معضلة: كيف تبرر استمرار الحرب دون نتائج حاسمة، وكيف تنهيها دون أن تبدو مهزومة الحل، كما يبدو، هو إبقاء غزة في حالة “قابلية دائمة للاشتعال”. تسريبات عن تعاظم قوة حماس، ضربات تتجاوز خطوط التهدئة، واستعدادات عسكرية متواصلة – كلها مؤشرات على أن البيئة تُهيّأ لجولة جديدة.

في هذا السياق، ومع تصاعد الحديث عن تحركات نيكولاي ميلادينوف ولقاءاته مع حركة حماس في إطار نقاشات تتعلق بملف نزع السلاح، يلاحظ تزايد تركيز وسائل الإعلام الإسرائيلية على ما تصفه بـ“تعاظم قدرات حماس” وضرورة تفكيك بنيتها العسكرية.
ويبدو أن هذا التركيز المتجدد على ما يجري في غزة لا يمكن فصله عن الاعتبارات السياسية المحيطة، وقد يعكس – في جزء منه – تمهيداً لمرحلة ضغط جديدة على القطاع.

هذا التوازي بين المسار السياسي والخطاب الإعلامي لا يبدو عفوياً، بل يعكس محاولة لتهيئة بيئة ضغط مزدوجة: تفاوضية من جهة، وتحريضية من جهة أخرى، بما يعزز سردية مفادها أن أي تهدئة مستقبلية يجب أن تمر عبر شروط صارمة، في مقدمتها نزع السلاح.

لكن الأخطر من ذلك هو أن هذه السياسة لا تنفصل عن الواقع الإنساني الكارثي في القطاع. فاستمرار القصف، وسقوط المدنيين، وتدمير ما تبقى من مقومات الحياة، لم يعد مجرد “أثر جانبي” للحرب، بل جزء من معادلتها. بمعنى آخر: الضغط على المجتمع المدني يتحول إلى أداة ضمن إدارة الصراع.

وهنا تتقاطع السياسة مع ما يمكن وصفه بوضوح بأنه استخدام ممنهج للتجويع والتدمير كوسيلة ضغط، فالحرب على غزة لم تعد فقط مواجهة عسكرية، بل بنية متكاملة من السيطرة والإخضاع تُدار تحت غطاء أمني، لكنها تحمل أبعادًا أعمق بكثير.

في هذا السياق، لا تبدو الحرب حدثاً طارئاً، بل جزءاً من نمط حكم يعتمد على الأزمات المستمرة. قد تنجح واشنطن في فرض تهدئة مؤقتة هنا أو هناك، وقد تُفتح قنوات تفاوض مع إيران، وقد تستمر الجبهة اللبنانية ضمن حدودها الحالية. لكن ذلك كله لا يغيّر الحقيقة الأساسية: هناك من لا يستطيع تحمّل نهاية الحرب.

بالنسبة لنتنياهو، نهاية الحرب تعني العودة إلى الداخل: إلى الأسئلة المؤجلة، والإخفاقات غير المحسومة، والتوازنات السياسية الهشة. لذلك، فإن استمرار الحرب – بأي شكل، وفي أي جبهة – يصبح خياراً مفضلاً.
من هنا، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت الحرب ستتجدد، بل: أين، ومتى، وبأي ذريعة؟ وفي ظل هذا المنطق، تبدو غزة المرشحة الدائمة لدفع الثمن. بهذا المعنى، لا تكون الهدنة نقيض الحرب، بل أحد أشكالها المؤقتة.

×
أخبار
تركيا وحرب إيران: الهندسة العسكرية لردع مزدوج وتبلور «القطب الإقليمي الثالث» و س ج: إدارة ترامب ستفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية أ ف ب: تحالف سبعة تنظيمات مسلحة معارضة للإطاحة بالحكومة في إثيوبيا بعد الهزيمة التاريخية في انتخابات ولايات ألمانية..ميرتس يتعهد بالمضي قدماً في الإصلاحات "ذا نيويوركر" تسلط الضوء على "قطر غيت" وشبكات النفوذ في مكتب نتنياهو صحيفة سويسرية: خطة ألمانية قد تؤدي لترحيل نصف مليون سوري تقرير: سيناريو استخباراتي يُثير مخاوف دول الخليج وتركيا حال سقوط نظام إيران عبد العاطي لوفد المنظمات اليهودية الأمريكية: نرفض أية محاولات لتهجير الفلسطينيين وثيقة سرية: روسيا وإيران توسعان قنوات مالية وتجارية للالتفاف على العقوبات رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل ميلوني تعلن إجراءات جديدة في المدارس الإيطالية بينها حظر النقاب هرتسوغ كان يعرف ما الذي يفعله عندما أصدر عفوًا عن عزاريا قبل أقل من 40 يومًا من الانتخابات  وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط