الصمت على استمرار عمل "أكاديميات تهويد التعليم" في قطاع غزة جريمة وطنية كبرى، لا يجب غض الطرف عنها بـ "أعذار واهية".

أيّ شرعية لقيادة تتخذ قرارات بعيداً عن المؤسسات الوطنية؟

أيّ شرعية لقيادة تتخذ قرارات بعيداً عن المؤسسات الوطنية؟

تاريخ النشر: 2026-10-03 | 15:40

حيدر العيلة
حيدر العيلة
الشرعية السياسية ليست تفويضاً مفتوحاً، وليست ورقة بيضاء تمنح القيادة حق اتخاذ ما تشاء من قرارات باسم الشعب، دون الرجوع إلى المؤسسات الوطنية أو القوى السياسية التي يفترض أن تكون شريكة في صناعة القرار.
فالقيادة التي تتحدث باسم الشعب يجب أن تستمد شرعيتها من الشعب ومؤسساته، لا من قدرتها على فرض الأمر الواقع، أو امتلاك مفاتيح السلطة والقرار والمال والعلاقات الخارجية.
المشكلة ليست في أن تتخذ القيادة قرارات في لحظات الأزمات؛ فالأزمات قد تفرض أحياناً سرعة في اتخاذ القرار. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والقرار الطارئ إلى سياسة دائمة، وتصبح المؤسسات مجرد واجهات تُستدعى عندما تحتاج القيادة إلى غطاء سياسي، ثم يجري تجاوزها عندما لا تنسجم مواقفها مع ما تريده القيادة.
وهنا تبرز أسئلة لا يمكن القفز عنها: من أين جاءت الصلاحية؟ ومن شارك في النقاش؟ وأين كانت المؤسسات الوطنية؟ وهل جرى الرجوع إلى القوى السياسية والمجتمعية؟ وهل كان هناك توافق وطني، أم أن القرار صدر من دائرة ضيقة ثم طُلب من الجميع التعامل معه باعتباره قراراً وطنياً؟
لا يمكن بناء حياة سياسية سليمة على قاعدة أن القيادة تعرف وحدها ما هو الأصلح، وأن بقية القوى والشعب مطالبون بالتصفيق أو الصمت.
فهذا يحوّل العمل الوطني من شراكة إلى تبعية، ومن مؤسسات إلى أشخاص، 
ومن قرار وطني إلى قرار يتركز في يد فرد واحد.
ومن هنا لا يمكن الحديث عن إصلاح النظام السياسي الفلسطيني من دون التوقف عند العلاقة بين منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية.
فمنظمة التحرير هي الإطار الوطني الجامع للشعب الفلسطيني، بينما نشأت السلطة في سياق سياسي محدد بموجب اتفاقات المرحلة الانتقالية. وقد نص الإطار القانوني للمرحلة الانتقالية على وجود سلطات تشريعية وتنفيذية، وعلى آليات لاتخاذ القرار والرقابة والمراجعة القضائية.
لذلك لا يجوز أن تتحول منظمة التحرير إلى تابع للسلطة، أو أن تصبح مؤسساتها رهينة لمن يملك المال والإدارة. فقلب العلاقة بين المؤسسة الوطنية الجامعة والسلطة التنفيذية يفرغ التعددية السياسية من مضمونها، ويضعف قدرة المؤسسات على ممارسة دورها الرقابي والسياسي.
فالاستقلال السياسي للمؤسسة يبدأ أيضاً من استقلالها المالي والإداري. ومن لا يملك موارده ولا يستطيع إدارة مؤسساته باستقلال، يصعب عليه أن يمارس دوراً رقابياً مستقلاً.
ولا يمكن إصلاح منظمة التحرير من دون التوقف بجدية أمام واقع اللجنة التنفيذية، التي تحولت في مراحل كثيرة من مؤسسة يفترض أن تعكس الإرادة الوطنية إلى إطار يغلب عليه الطابع الشكلي، حيث أصبح بعض أعضائها ممثلين لتنظيمات تفتقر إلى الحضور والتأثير في الشارع الفلسطيني، لا إلى قيادات تستمد شرعيتها من تمثيل شعبي حقيقي.
وفي مثل هذه الحالة، يصبح الموقع أهم من الدور، وتصبح المحافظة على العضوية والامتيازات المرتبطة بها دافعاً للصمت أو للموافقة، حتى عندما تكون القرارات المطروحة بحاجة إلى نقاش ومراجعة داخل المؤسسات الوطنية. وهكذا تتحول اللجنة التنفيذية، بدلاً من أن تكون مركزاً لصناعة القرار الوطني ورقابته، إلى مجرد أداة لإضفاء الشرعية على قرارات تُتخذ خارجها، ثم يُطلب منها أن تبصم عليها باسم الإجماع الوطني.
المشكلة، إذن، ليست في أسماء الأشخاص وحدها، وإنما في بنية سياسية تسمح لمن لا يمتلك وزناً جماهيرياً حقيقياً بأن يحتفظ بموقعه داخل أعلى مؤسسة تنفيذية لمنظمة التحرير، وأن يتحدث باسم شعب وقوى وقطاعات لم تمنحه هذا التفويض أصلاً. ولذلك فإن إعادة الاعتبار للجنة التنفيذية تبدأ بإعادة تعريف شرعيتها، وربط عضويتها بالتمثيل الحقيقي، والمساءلة، والانتخاب، والقدرة على ممارسة دور مستقل في صناعة القرار، لا بمجرد التوافقات التنظيمية أو توزيع المقاعد.
والأخطر هو تركيز مواقع القرار السياسي والتنفيذي والتنظيمي والأمني في مركز واحد.
هنا لا تعود المشكلة مرتبطة بشخص بعينه، بل ببنية سياسية تسمح بتجميع الصلاحيات والمواقع في يد واحدة. وتركيز السلطة بهذه الصورة يظل خطراً على أي نظام سياسي؛ لأن المؤسسات لا تُبنى على الأشخاص، وإنما على قواعد واضحة للفصل بين الصلاحيات، وتمنع احتكار القرار، وتضمن الرقابة والمساءلة.
وعندما تجتمع رئاسة الفصيل المهيمن، ورئاسة منظمة التحرير، ورئاسة السلطة، إلى جانب مواقع قيادية عليا أخرى، في شخص واحد، يصبح الفصل بين القرار الفصائلي والقرار الوطني أكثر صعوبة، ويغدو الخلط بين ما هو قرار تنظيمي وما يفترض أن يكون قراراً وطنياً جامعاً أمراً أكثر سهولة. فاحتكار المواقع لا يؤدي فقط إلى تركيز السلطة، بل يضعف كذلك استقلال المؤسسات الوطنية ويجعلها عرضة للتداخل مع حسابات الفصيل ومصالحه.
والأخطر أن هذا التداخل لا يبقى محصوراً في مواقع الرئاسة، بل ينعكس على بنية مراكز القرار نفسها؛ إذ يبدو في الواقع السياسي والتنظيمي أن عضو اللجنة المركزية لحركة فتح يمتلك ثقلاً وتأثيراً يفوق في كثير من الأحيان ثقل عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، رغم أن الثانية يفترض أن تمثل الإطار الوطني الجامع لمختلف القوى والفصائل. وعندما تصبح عضوية اللجنة المركزية، بحكم النفوذ التنظيمي والسياسي، أكثر تأثيراً من عضوية اللجنة التنفيذية، فإن ذلك يطرح سؤالاً جوهرياً حول استقلال القرار الوطني، وحول ما إذا كانت مؤسسات المنظمة هي فعلاً صاحبة الولاية الوطنية، أم أن القرار الفصائلي ما زال يتقدم عليها عملياً.
وهذا تحديداً ما يجب أن نتجاوزه إذا كنا جادين في إصلاح النظام السياسي الفلسطيني.
نحن لا نحتاج إلى تبديل الأشخاص مع بقاء النظام نفسه، ولا إلى تغيير الوجوه مع استمرار احتكار الصلاحيات. ما نحتاجه هو إعادة بناء العلاقة بين المؤسسات على قاعدة واضحة:
منظمة التحرير مستقلة عن السلطة، والسلطة خاضعة للرقابة والمساءلة، والرئيس ليس بديلاً عن المؤسسات الوطنية، واللجنة التنفيذية ليست ملكاً لفصيل، والقرار الوطني ليس امتداداً لقرار حزبي.
إن الخلط بين الحزب والسلطة، وبين المنظمة والسلطة التنفيذية، وبين الفصيل والمؤسسة الوطنية، وبين القيادة الحزبية والقيادة الوطنية، هو أحد جذور الأزمة السياسية. وعندما تصبح المؤسسة خادمة للقيادة بدلاً من أن تكون القيادة خادمة للمؤسسة، تفقد المؤسسة معناها، ويتحول النقد إلى اتهام، والمطالبة بالإصلاح إلى محاولة لهدم المشروع الوطني.
والشرعية لا تُختزل في الانتخابات وحدها، رغم أهميتها، كما لا تُستمد من التاريخ النضالي وحده، ولا من امتلاك القوة أو السيطرة على مؤسسات السلطة. فالانتخابات تمنح تفويضاً ضمن إطار قانوني وسياسي وزمني محدد، لكنها لا تمنح حصانة دائمة من النقد والمساءلة، ولا تجعل الفائز بها فوق المؤسسات. كما أن التاريخ النضالي، مهما كان عظيماً، لا يعفي أصحابه من المسؤولية، والانتماء إلى أي فصيل لا يمنح قيادته حق احتكار القرار الوطني. فالشرعية الانتخابية لا تلغي الشرعية المؤسسية، بل يفترض أن تعمل داخلها وتخضع لقواعدها.
ومن هنا، فإن إصلاح النظام السياسي لا يمكن أن يبدأ من توزيع المناصب والمقاعد فقط، ولا من إعادة ترتيب موازين القوى بين الفصائل، بل من أسئلة أكثر جوهرية:
من يملك حق اتخاذ القرار الوطني؟ وكيف يُتخذ هذا القرار؟ ومن يحاسب من يتخذه؟
إذا كان القرار يُصنع في دائرة ضيقة، ثم يُطلب من المؤسسات والقوى والشعب أن يلحقوا به، فنحن لا نتحدث عن نظام سياسي مؤسسي، بل عن إدارة سياسية للتفرد، مهما كانت الشعارات التي تُرفع لتبريره.
أما إذا أردنا بناء نظام وطني قادر على مواجهة الاحتلال والانقسام والتحديات القادمة، فعلينا أن نعيد الاعتبار للمؤسسات الوطنية، وأن ننهي احتكار القرار، وأن نؤسس لشراكة سياسية حقيقية تجعل القرار الفلسطيني تعبيراً عن الإرادة الوطنية الجماعية، لا ملكاً لأي قيادة مهما كان اسمها أو تاريخها أو موقعها.
فلا قداسة لقيادة، ولا حصانة لقرار، ولا شرعية دائمة بلا مؤسسات ومساءلة ومحاسبة.
ومن يتخذ القرار باسم الشعب، عليه أن يقبل حق الشعب في معرفة كيف اتُّخذ القرار، ولماذا اتُّخذ، ومن يتحمل مسؤولية نتائجه.
فالوطن ليس ملكاً للقيادة، والقرار الوطني ليس امتيازاً شخصياً، والشرعية ليست صكاً مفتوحاً للتفرد.
×
أخبار
ترامب يعد بمكافأة مالية لكل مواطن بالغ حال فوز الجمهوريين بانتخابات التجديد النصفي 2026 كتاب "تجاوز الخط الأحمر": تحقيق صحفي يكشف كواليس اتخاذ القرار في البيت الأبيض إبان حرب غزة شهيد وإصابات في قصف إسرائيلي استهدف مجموعة من المواطنين شمال مدينة غزة دراسة تحذر من اعتماد الجيش الأمريكي على الذكاء الاصطناعي في حرب إيران بغياب رقابة الكونغرس إيران تعيد رسم خريطة نفوذها.. هرمز وباب المندب في قلب استراتيجية جديدة - تفاصيل مؤسسات رام الله تبحث سبل مواجهة محاولات المستوطنين الاستيلاء على عدد من الشوارع والميادين روسيا تغيّر قواعد الحرب.. "كوليبا" يحذر من استراتيجية تستهدف اقتصاد أوكرانيا وإرادة شعبها - تفاصيل وزير الخزانة الأميركي: لن يكون لدى إيران نفط متداول عبر البحر لأول مرة منذ بدء التصدير رويترز: تصاعد دخان ونيران بمحيط منشأة لأرامكو في الرياض من حرية الملاحة إلى نفوذ القوى الكبرى.. هل تتحول المحيطات إلى ساحة صراع جديدة؟ "صناعة الأمير": لماذا تتهاوى استراتيجيات "قطع الرأس" أمام استمرارية التنظيم؟ نتنياهو في مقابلة مع "ديلي ميل": بريطانيا تتصرف كـ "دولة مارقة" وتسترضي القوى الإسلامية جيش الاحتلال يغلق الحرم الإبراهيمي والمحلات التجارية في البلدة القديمة حماس تسعى لإعادة تثبيت حضورها السياسي وسط اتصالات مع أمريكا وتحالفات فلسطينية محتملة خدعة شيكلي.. طلب حماية لرجل الشاباك يواجه عوائق قانونية واتصالات انتخابية تثير الجدل مركز: مخططات استيطانية لتقطيع أوصال الضفة الغربية والقدس وعزل مناطقها الحضرية استطلاع: نصف البريطانيين يؤيدون عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي قرقاش: العملية الإرهابية الأخيرة إنذار بأن مواجهة التطرف لم تنته فهمي: الوضع العربي مضطرب في ظل خطة ممنهجة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,228 شهيد توقعات بتصويت مجلس الشيوخ الأمريكي على اتفاق نووي مع السعودية قبل 13 ديسمبر "تهويد" تعليم قطاع غزة تحت بصر "الجماعة الإخوانية" والرسمية الفلسطينية! "تايمز": عقوبات أمريكية مرتقبة قد تُنهي وجود الجنائية الدولية "الشريرة" النائب العام في الإمارات: التحقيقات في واقعة رحلة فلاي دبي كشفت الشروع بتنفيذ عملية إرهابية إسرائيليون عالقون بالإمارات يعودون لتل أبيب عبر إثيوبيا بعد إلغاء رحلات "فلاي دبي" موقع" لقاء "غير معتاد للغاية" لكبار مسؤولي إدارة ترامب في كمب ديفيد حول إيران واليمن جريمة جديدة..جيش الاحتلال يغتال 5 فلسطينين بينهم طفلة ونساء في غزة- فيديو نيويورك تايمز: "أيباك" تواجه أكبر أزمة استقطاب وتراجع سياسي في تاريخها "هيئة الجدار": 30 شهيدا برصاص المستوطنين منذ بداية العام في حصيلة تتجاوز ضعف حصيلة العام الماضي مشروع ممول أمريكيًا لإعادة تشكيل النخبة الأمنية في إسرائيل

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط