تاريخ النشر: 2026-09-21 | 14:24
تاريخ النشر: 2026-09-21 | 14:24
في زمنٍ تراكمت فيه الآلام حتى غدت جزءا من نسيج الأيام يقف أطفال غزة وحدهم في ساحةٍ لا ترحم يحملون على أكتافهم الصغيرة ما لا تطيقه الجبال لقد مرت سنواتٌ عجافٌ منذ أن انفجرت نيران الحرب في أكتوبر من عام ثلاثةٍ وعشرين فحصدت من أرواح الصغار ما يفوق العشرين ألفا واستمرت الحاصدة حتى تجاوزت الحصيلة ٢١٧٠٠ طفلٍ بحسب ما وثقت المنظمات الأممية ووزارات الصحة في القطاع أما الجرحى فقد تجاوزوا الخمسة والأربعين ألفا كثيرٌ منهم حملوا إعاقاتٍ دائمة وبترت أطرافهم أو فقدوا أبصارهم أو أصيبوا بجروحٍ غيّرت مسار حياتهم إلى الأبد.
ليس الموت وحده هو الذي يطارد هؤلاء الصغار بل يتبعه اليتم كظلٍّ لا يفارقهم فقد فقد أكثر من ٥٨ ألف طفلٍ أحد والديه أو كليهما فصار اليتيم يبحث عن حضنٍ لم يعد موجودا وينام على وسادةٍ من الذكريات المرة يسأل عن أبٍ اختفى تحت الركام وعن أمٍ ذهبت مع الريح دون أن يجد جوابا.
ثم يأتي الجوع فيكمل الدائرة المغلقة لقد شهد القطاع في صيف خمسةٍ وعشرين إعلان مجاعةٍ في مناطق الشمال ووصل سوء التغذية الحاد ذروته حتى احتاج عشرات الآلاف من الأطفال إلى العلاج الطارئ ورغم أن وقف إطلاق النار الذي أعلن في أكتوبر ٢٠٢٥ قد خفف من حدة الأزمة الحادة إلا أن الأرقام لا تزال تنبئ بالخطر فآلاف الأطفال يدخلون شهريا مراكز العلاج من سوء التغذية ويظل التقزم يؤثر في أكثر من اثني عشر في المئة من أطفال ما دون الخامسة مما يعني أن أجسادهم الصغيرة قد حُرمت من النمو السليم وأن عقولهم قد تأثرت بآثارٍ قد لا تُمحى.
تخيل طفلا في السابعة من عمره يجلس وسط خيمةٍ مهترئة يحدق في طبقٍ فارغٍ أو شبه فارغ يحاول أن يبتسم لأمه التي لا تجد ما تطعمه به سوى ما يصل من المساعدات الشحيحة تخيل رضيعا يبكي من ألم الجوع وأمه لا تملك الحليب الكافي لأن جسدها نفسه قد نزف من سوء التغذية تخيل طفلا آخر فقد ساقه في قصفٍ ولم يجد مسكنا ولا علاجا كافيا فيضطر إلى أن يزحف على الأرض بدل أن يركض مع أقرانه.
أما التعليم فقد تحول إلى حلمٍ بعيد المنال فقد دمرت الحرب أو ألحقت الضرر بما يزيد على خمسةٍ وتسعين في المئة من المدارس فحرم مئات الآلاف من الأطفال من مقاعد الدراسة وصار الكتاب حلما والقلم ذكرى والمدرسة أثرا بعد عين هؤلاء الأطفال الذين كان من المفترض أن يملأوا الدنيا علما ومعرفة صاروا يحملون بدل الحقائب جراحا نفسية عميقة تسعة من كل عشرة أطفال يحتاجون إلى دعمٍ نفسي وفق تقارير المنظمات الدولية فهم قد رأوا الموت بأعينهم وسمعوا انفجاراتٍ لا تنتهي وفقدوا أحباءهم في لحظاتٍ لم يفهموا معناها.
إن معاناة أطفال غزة ليست مجرد أرقامٍ تُسجل في التقارير بل هي وجوهٌ صغيرةٌ تحمل في عيونها أسئلةً أكبر من أعمارها أسئلة عن العدالة وعن الرحمة وعن مستقبلٍ سُرق منهم قبل أن يبدأ هؤلاء الأطفال الذين كان من حقهم أن يلعبوا في الحدائق وأن يرسموا على الجدران وأن يحلموا بمستقبلٍ مشرق صاروا يعيشون بين ركام المنازل وأنقاض الذكريات يبحثون عن قطرة ماءٍ نظيفة وعن لقمةٍ تسد الرمق وعن حضنٍ يؤويهم من برد الليل وحر النهار
لقد انهارت المنظومة الصحية حتى باتت العمليات الجراحية تُجرى أحيانا بلا تخدير كافٍ والمستشفيات تئن تحت وطأة الإصابات والمعدات الناقصة والأدوية الشحيحة أما المياه النظيفة فتكاد تكون نادرة في ظل تدمير البنية التحتية مما يفتح الباب أمام الأمراض المعدية التي تفتك بالأجساد الضعيفة.
في هذا المشهد المفجع يقف الضمير الإنساني أمام امتحانٍ قاسٍ فإما أن يتحرك لإنقاذ ما تبقى من طفولة هؤلاء الصغار وإما أن يواصل الصمت الذي يشارك في الجريمة إن إنقاذ أطفال غزة ليس عملا خيريا عابرا بل هو واجبٌ أخلاقي وديني وإنساني قبل أن يكون سياسيا إنه إنقاذٌ لجيلٍ كاملٍ يُراد له أن يُمحى من الذاكرة وأن يُترك ليكبر على جراحٍ لا تندمل.
هؤلاء الأطفال هم أمانةٌ في أعناق العالم كله هم بذور المستقبل إن لم تُروَ اليوم ماتت الأرض معهم غدا هم الصورة الحية لكل طفلٍ في أي مكانٍ على وجه البسيطة فالإنسانية واحدة والألم واحد والحق في الحياة والكرامة لا يتجزأ.
آن الأوان أن يعلو الصوت عاليا أنقذوا أطفال غزة قبل أن يتحول الجرح إلى ندبةٍ أبدية في وجه البشرية وأنقذوهم بالضغط من أجل وقفٍ حقيقي للعنف وبفتح المعابر أمام المساعدات الكافية وبإعادة بناء المدارس والمستشفيات وبمعالجة الجراح الجسدية والنفسية وبإعادتهم إلى مقاعد الدراسة حيث ينتمون.
إن دمعة طفلٍ في غزة ليست مجرد دمعة بل هي صرخةٌ تصل إلى السماء وإن صمت العالم أمامها خيانةٌ للقيم التي يدعي الدفاع عنها فليتحرك كل قادرٍ وليمد كل صاحب ضميرٍ يده قبل أن يفوت الأوان وقبل أن يصبح الندم هو كل ما يتبقى لنا.
أنقذوا أطفال غزة فهم ليسوا مجرد ضحايا حربٍ عابرة بل هم مرآةٌ نرى فيها صورة إنسانيتنا إن أردنا أن نبقى بشرا.