قدّم الصحفي الفلسطيني، وما زال يقدم، روحه ودمه من أجل الصورة، ونقل الحقيقة، والكلمة الحرة، والموقف المهني. وعلى مدار سنوات الحرب على قطاع غزة، حمل الصحفي الفلسطيني أدواته البسيطة؛ الكاميرا والقلم والهاتف ووسائل البث، وانطلق إلى الميدان لينقل للعالم مشاهد الدمار والمعاناة، ويوثق ما يتعرض له الأطفال والنساء والشباب وكبار السن من ويلات الحرب.
ويأتي اليوم العالمي للتضامن مع الصحفي الفلسطيني، الذي يصادف السادس والعشرين من سبتمبر/أيلول من كل عام، في ظل مرحلة استثنائية عاش خلالها الصحفيون الفلسطينيون واحدة من أقسى التجارب المهنية والإنسانية في تاريخ الصحافة الحديثة، بعدما وجدوا أنفسهم في قلب الأحداث، يواجهون الخطر لحظة بلحظة، وهم يؤدون رسالتهم في نقل الحقيقة وتوثيق ما يجري.
وقد استشهد في حرب الإبادة الجماعية على غزة حسب مصادر المعلومات أكثر من 260 صحفيًا خلال حرب الإبادة الجماعية في غزة ، وهي مرحلة من أكثر المراحل دموية التي شهدها العمل الصحفي الفلسطيني، ولا تقتصر الانتهاكات على القتل، إذ واجه الصحفيون الفلسطينيون الاعتقال والاحتجاز، والإصابة والاعتداء الجسدي، والمنع من التغطية، ومصادرة المعدات أو تدميرها، والتهديد والملاحقة، إلى جانب تدمير منازل الصحفيين وتهجيرهم واستهداف أفراد من عائلاتهم.
وبحسب معطيات منشورة في أغسطس/آب 2026، أفادت جمعية نادي الأسير الفلسطيني بأن نحو 40 صحفيًا فلسطينيًا يقبعون في سجون الاحتلال الإسرائيلي، و أكثر من 250 صحفيًا تعرضوا للاعتقال أو الاحتجاز منذ بداية الحرب، بمن فيهم من أُفرج عنهم لاحقًا، حيث امتد الاستهداف إلى المؤسسات الإعلامية والبنية التحتية للقطاع الإعلامي، من خلال تدمير مقرات ومكاتب إعلامية، واستهداف المنازل والممتلكات المرتبطة بالصحفيين، إلى جانب القيود المفروضة على التغطية الصحفية والوصول إلى المعلومات. كما وثقت جهات حقوقية وإعلامية حالات استهداف للمعدات والترددات والمواقع الإلكترونية ووسائل الإعلام المختلفة.
لم تكن مهمة الصحفي الفلسطيني في غزة مجرد تغطية خبر أو نقل صورة عابرة، بل تحولت الصحافة إلى مهمة إنسانية وتاريخية؛ فكل صورة التقطتها عدسة صحفي، وكل شهادة نقلها مراسل، وكل تقرير كُتب وسط أصوات القصف، بل أصبح جزءًا من سجل يوثق مرحلة مفصلية من تاريخ فلسطين.
قدم الصحفيون الفلسطينيون ثمنًا باهظًا مقابل قيامهم بواجبهم المهني ورسالتها الإعلامية فقد فقد كثير منهم حياتهم، كما فقد آخرون أفرادًا من أسرهم ومنازلهم ومكاتبهم ومعداتهم، واضطر عدد كبير منهم إلى مواصلة العمل في ظروف بالغة الصعوبة، وسط النزوح وانقطاع الاتصالات ونقص المعدات والوقود، وفي ظل مخاطر أمنية وإنسانية متواصلة.
رغم كل الظروف لم تتوقف الكاميرا الفلسطينية عن العمل، ولم يصمت القلم وظل الصحفي حاضرًا في الميدان، يحمل مسؤولية نقل الحقيقة إلى الرأي العام المحلي والعربي والدولي، ويكافح من أجل أن تصل صورة الإنسان الفلسطيني ومعاناته إلى العالم، بعيدًا عن محاولات طمس الحقيقة أو تغييب الرواية الفلسطينية.
إن التضامن مع الصحفي الفلسطيني لا ينبغي أن يكون مناسبة عابرة ترتبط بيوم واحد في السنة، بل يجب أن يتحول إلى موقف دائم تجاه الصحفيين الذين يؤدون رسالتهم في ظروف استثنائية، فإن حماية الصحفيين، وضمان سلامتهم، واحترام حقهم في الوصول إلى المعلومات والعمل بحرية، مسؤولية تقع على عاتق المجتمع الدولي والمؤسسات الصحفية والحقوقية. كما أن مساءلة كل من يعتدي على الصحفيين أو يمنعهم من أداء عملهم تظل ضرورة لحماية مهنة الصحافة وحرية الإعلام.
لم يكن الصحفي في غزة شاهدًا على الأحداث فحسب، بل كان في كثير من الأحيان جزءًا من المشهد الإنساني نفسه؛ يعيش ما يعيشه الناس، وينزح كما ينزحون، ويفقد أحباءه، ثم يعود إلى الكاميرا ليخبر العالم بما يحدث. ولذلك أصبحت قصص الصحفيين أنفسهم جزءًا من قصة غزة، وأصبح صمودهم عنوانًا من عناوين الإصرار الفلسطيني على إبقاء الحقيقة حاضرة.
وفي اليوم العالمي للتضامن مع الصحفي الفلسطيني، نستذكر الصحفيين الذين رحلوا وهم يحملون الكاميرا والقلم، ونستحضر تضحياتهم المهنية والإنسانية، وإن ما كتبوه وصوروه ووثقوه سيبقى شاهدًا على مرحلة لا يجوز أن تُنسى.
لقد كتبوا لفلسطين بأرواحهم ودمائهم، وحملوا الكلمة والصورة في مواجهة الصمت، لتبقى الحقيقة حاضرة، ولتبقى فلسطين في قلب المشهد الإعلامي والإنساني العالمي.