الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

الهويّة مرّة ثانية وثالثة

الهويّة مرّة ثانية وثالثة

تاريخ النشر: 2023-02-11 | 08:13

نشرت في جريدة الخليج (الإماراتية) في 8 شباط / فبراير وفي جريدة الزمان (العراقية) في 11 شباط / فبراير 2023.

غالبًا ما يتردّد في عالمنا العربي والإسلامي، شعارات من قبيل "ضرورة الحفاظ على الهويّة"، وبالتالي الحفاظ على اللغة والثقافة. وفي ربع القرن المنصرم أو ما يزيد ارتفع رصيد  الدعوات التي تريد مواجهة التحديات التي استهدفت الهويّة العربيّة واللغة العربية والثقافة العربية.

 وبقدر ما في هذه الدعوات من نبل وأصالة، لكن الدفاع عن الهويّة أو اللغة أو الثقافة، ليست شعارًا للترويج السياسي أو الأيديولوجي أو حتى وسيلةً جادة لمواجهة التحديات التي تتربّص بالأمة العربية، في الوقت الذي يتم التغافل فيه عن توفير مستلزمات تعزيز الهويّة وتطوير اللغة واعتماد الثقافة كسلطة قيمية عليا يمكن بواسطتها مجابهة التحديات الخارجية والداخلية التي تستهدف مجتمعاتنا وتريد النيل منها ومنعها من تحقيق التنمية المستدامة بجميع حقولها وأبوابها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتربوية والتعليمية والصحية والبيئية والقانونية والنفسية وغيرها.

ولعلّ الشعور بوجود هجمة ضدّ كيانيتنا الهويّاتية واللغوية والثقافية، يعني أن هناك تلمسًا لخطر خارجي يتمثّل بالرغبة بالتسيّد وفرض الهيمنة والاستتباع علينا عبر مشروع ثقافي يعاكس ثقافتنا وطريقة عيشنا وسلوكنا، بما فيه لغتنا، حيث انصرفت بعض المجتمعات إلى تعلّم اللغات الأجنبية وبخاصة الإنكليزية والدراسة فيها على حساب اللغة العربية، بل أن هناك تهميشًا أقرب إلى الازدراء للغتنا الجميلة ساعد عليه بعض دعاة التغريب، كما أن فشل تجارب التنمية التي حاولت بعض البلدان العربية اتّباعها سبيلًا للتقدّم في مراحل ما بعد الاستقلال والتخلّص من الهيمنة الكولونيالية كان مبرّرًا لذلك، وقادت الخصوصية أحيانًا إلى الانغلاق والتقوقع، مثلما قادت المحاولات التي تريد تجاوزها إلى ضياع الهويّة وتشويه الثقافة وامتهان اللغة. 

وعلينا الاعتراف أننا في أزمة ولا بدّ من تشخيص أسبابها، الأمر الذي يقتضي التعاون والتنسيق بما هو مشترك وإنساني ويخصّ وجودنا ككل، لأن المسألة لا تتعلّق بهذا البلد أو ذاك وإنما تتعلق بالهويّة المشتركة أو الجامعة وباللغة الموحدة لألسنتنا وبالثقافة التي تمثّل خط دفاعنا الأول والأخير أيضًا.

 ويستوجب ذلك التصرّف بمسؤولية إزاء تراثنا وتاريخنا، لإظهار الجوانب المشرقة والمضيئة فيه، وإعلاء شأن هويّتنا المشتركة والموحّدة، وكذلك إزاء حاضرنا، خصوصًا تشخيص النواقص والثغرات التي تنفذ منها القوى الخارجية التي لا تستهدف هويّتنا ولغتنا وثقافتنا فحسب، وإنما تستهدف كيانيتنا ككل، حيث تأخذنا فرادى وغير متحدين أو متكاتفين.

وما يعزّز من وجودنا ويقوّي من قدراتنا على مواجهة التحديات هي المواطنة، ويحتاج المواطن إلى قدر من الثقة بنفسه وتاريخه وحضارته وثقافته ولغته وهويّته، لاسيّما اسهاماته في رفد الحضارة البشرية والثقافة الإنسانية بكل ما هو مفيد من علم وفن وأدب ولغة وثقافة، وكثير مما وصلت له أوروبا يعود إلى علمائنا مثل ابن سينا والفارابي وابن رشد والخوارزمي وغيرهم، ولم يكن ممكنًا تحقيق تلك المنجزات العظمى لولا أجواء الحريّة، وخصوصًا حريّة البحث العلمي التي كانت متوفّرة في زمانهم، الأمر الذي يحتاج إلى تعزيز هويّتنا الحالية بتعضيدها بقيم الحريّة التي هي أسمى القيم وأكثرها تفاعلًا مع القيم الأخرى مثل المساواة والشراكة والمشاركة والعدالة، وخصوصًا العدالة الاجتماعية.

 وهذه العناصر الأساسية التي تتشكّل منها المواطنة في الدولة العصرية، فالمواطنة السليمة والحيويّة والفاعلة هي خط دفاع آخر في مواجهة النعرات العنصرية والطائفية والمذهبية التي تلحق الضرر بكيانيتنا وتضعف مقاومتنا للتحديات الخارجية.

 وبالطبع بقدر ما تكون المسألة جماعية تخص المجتمع أو الجماعة البشرية التي تشكّل هويّتها المشتركة، فإن المسألة فردية أيضًا، فنحن أمام أكثر من هويّة جماعية، فردية، عامة وخصوصية، شاملة وفرعية، تلك التي تحدّد الانتماء إلى الوطن أو القوميّة أو الأمة أو مجموعة بشريّة بما تحمل من دلالات وإشارات مرجعية لكتلة بشرية من حيث طبيعة تكوينها وصفاتها الخاصة التي يتم التعبير عنها في هويّاتها الذاتية: القبيلة، الدين، المذهب، الإثنية، وفي إطار تشكّلها الاجتماعي بالانتماء إلى وحدة كيانية أساسية: الوطن، وتجمعهم سمات مشتركة موحدة وهي سمات لا تلغي هوياتهم الفرعية، "الجزئية"، الخاصة، وهكذا يتم التنوّع في إطار الوحدة أو الحفاظ على الوحدة في إطار التعدّد.

ولعلّ الوصول إلى ذلك والإقرار بالتعدّدية وقبول التنوّع وتعايش الهويّات الفرعيّة مع الهويّات الأعم والأشمل والاعتراف بحقوقها، هو أحد أركان الدفاع عن الهويّة واللغة والثقافة في إطار مواجهة التحديّات الخارجية والداخلية.

الهويّة بهذا المعنى فعل إنساني يتمظهر أو يتشكّل بما له من خصوصيّة لشعب أو لفرد (لغةً وفكرًا) وعقائدًا تمثل رؤيته إلى الكون والوجود، وهي قيم ثقافية يجد فيها الإنسان معنىً لأفعاله وتصرّفاته وأفكاره وسلوكه.

ولن يكون خطرًا على مجتمعاتنا وعلى لغتنا العربية وهويّتنا الموحّدة المؤتلفة والمختلفة وثقافتنا الجامعة، لأن العالم اليوم هو عالم الهويّات المتنوعّة الفردية والجماعية، مثلما كان في القرن العشرين عالم الأيديولوجيا المتصارعة والمتناقضة، وفي القرن التاسع عشر عالم القوميات، فإنه اليوم عالم الهويّات والمصالح، وكلّ ما يتعلّق بفعل الهويّات إنما هو نشاط إنساني ضروري يسهم في تحديد ملامح الارتقاء في هويّتنا وأفكارنا.

×
أخبار
تركيا وحرب إيران: الهندسة العسكرية لردع مزدوج وتبلور «القطب الإقليمي الثالث» و س ج: إدارة ترامب ستفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية أ ف ب: تحالف سبعة تنظيمات مسلحة معارضة للإطاحة بالحكومة في إثيوبيا بعد الهزيمة التاريخية في انتخابات ولايات ألمانية..ميرتس يتعهد بالمضي قدماً في الإصلاحات "ذا نيويوركر" تسلط الضوء على "قطر غيت" وشبكات النفوذ في مكتب نتنياهو صحيفة سويسرية: خطة ألمانية قد تؤدي لترحيل نصف مليون سوري تقرير: سيناريو استخباراتي يُثير مخاوف دول الخليج وتركيا حال سقوط نظام إيران عبد العاطي لوفد المنظمات اليهودية الأمريكية: نرفض أية محاولات لتهجير الفلسطينيين وثيقة سرية: روسيا وإيران توسعان قنوات مالية وتجارية للالتفاف على العقوبات رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل ميلوني تعلن إجراءات جديدة في المدارس الإيطالية بينها حظر النقاب هرتسوغ كان يعرف ما الذي يفعله عندما أصدر عفوًا عن عزاريا قبل أقل من 40 يومًا من الانتخابات  وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط