تاريخ النشر: 2026-10-05 | 12:05
تاريخ النشر: 2026-10-05 | 12:05
لـم يـقـدّم شـعـبٌ، فـي الـتّـاريـخ الـمـعـاصـر، نـظيـرَ مـا قـدّمـه شـعـبُ فـلـسـطـيـنَ فـي غـزّة مـن فـائـض الـتّـضـحـيّـات، ولا عَـرَض لـشـعـبٍ مـن هـوْل الآلام وشـديـدِ الـمـعـانـاة مـا عَـرَض لـه فـي غـزّةَ والـضّـفّـة الـغـربـيّـة، بـمـا فـيـهـا الـقـدس، فـي الـسّـنـوات الـثّـلاث المـنـصرمـة. مـحـرقـةُ غـزّة أمُّ الـمـحـارق وأضـخـمُـهـا فـي الـتّـاريـخ. عـلى ذلـك شـهـودٌ مـن مـئـات الـملايـيـن مـن الـنّـاس مـمّـن تـابـعـوا فـصـول الإبـادة الـجـمـاعـيّـة هـنـاك، يـومـيّـاً، عـبـر شـاشـات الـقـنـوات ومـن خـلال مـنـصّـات الـتّـواصـل فـمـا كـانـت أخـبـارُ الـمـحـرقـة، بـالـتّـالـي، أخـبـاراً مـظـنـونـة مـتـنَـاقَـلـةً شـفـويّـاً أو عـبـر الـتّـقـاريـر ومـنـقـولـة إلـى جـمـهـورٍ لا يـعـرف عـنـهـا غـيـر مـا سـمِـع، بل كـانـت الـصُّـوَر أفـقـع الأدلّـة. أمّـا أرقـام ضـحـايـاهـا مـن الـشّـهـداء والجـرحـى فـدقـيـقـةٌ ومـثْـبـتَـة ومـوثَّـقـة فـي نـصـوصٍ عـلـيـهـا أخـتـام الـمـنـظّـمـات الـدّولـيّـة الـتّـابـعـة للأمـم الـمـتّـحـدة. ربـع مـلـيـون شـهـيـد وجـريـحٍ ومـفـقـود - يـشـكّـلـون مـا نـسـبـتُـه 9 بـالـمـائـة مـن سـكّـان الـقـطـاع - سـقـطـوا فـي هـذه الإبـادة الـمـسـتـمرّة، هـذا إلـى دمـارٍ شـامـل للـمـدن والـقـرى والـمـدارس والـمـسـتـشـفـيـات والـمـصـانـع، وحـصـارٍ وتـجـويـعٍ قـاتـلـيـن... واحـتـلالٍ لِـمَـا يـزيـد عـن نـصـف الـقـطـاع!
لا يُـسـأل عـن هـذه الإبـادة وعـن فـظـاعـاتـهـا الـوحـشـيّـة إلاّ مـن اقـتـرفـهـا بـدعـوى «الـدّفـاع عـن الـنّـفـس». شـعـبُ فـلـسـطـيـنَ الـضّـحـيّـةُ، والـضّـحـيّـةُ لا تُـسـأَل عـمّـا وقـع عـلـيـهـا مـن ظـلـمٍ ولا تـنـوب عـن الجـلاّد فـي تـبـريـر مـا أتـاهُ فـي حـقّـهـا مـن الـمـنـكَـرات. ولـو كـان فـي أخـلاق الـعـالـمِ الـيـوم مـثـقـالُ ذرّةٍ مـن الـقـيـم؛ مـن الـعـدالـة والإنـصـاف والـمـسـاواة بـيـن الـبـشـر، لَـحُـوسـب الـمـعـتـدي عـلى جـرائـمـه الـوحشـيّـة ولاَنْـتُـصِـف للـمـعـتَـدى عـلـيـه فـي حـقـوقـه الـوطـنـيّـة والإنـسـانـيّـة ولَـوُضِـعَ حـدٌّ لـهـذا الاسـتـهـتـار الـسّـيـاسـيّ الـمـجـنـون بـالإنـسـان وبـأقْـدس حـقـوقـه: الـحـقّ فـي الحـيـاة؛ الـحـقّ الـذي مـا مَـنَـحـه أحـدٌ لأحـد حـتّـى يـمـلـك أن يـأخـذه مـنـه! كـان ذلـك مـمـكـنـاً لـو فـي الأرض شـبْـرٌ مـن الـعـدالـة، ولـو كـان للـقـانـون سـلـطـانٌ - ولـو تـفـيـهٌ - عـلى مـن يـفـرضـه عـلى الـعـالـم مسـتـثـنـيـاً نـفـسَـه مـن أحـكـامـه! كـان ذلـك فـي الإمـكـان لـولا أنّ الـعـالـم مـحـكـومٌ بـشـريـعـة الـقـويّ... وأيُّ قـويّ: مَـن يـفـرض إرادتَـه بـالـقــتـل الأعشـى والـبـطـش والابـتـزاز... واسـتـضـعـاف ذوي الحـقـوق...
فـي مـثـل هـذه الحـال مـن سـريـان مـفـاعـيـل الإبـادة الـجـمـاعـيّـة لـغـزّةَ وشـعـبِ فـلـسـطـيـن، وانـعـدامِ أفـعـال الـمـحـاسَـبـة الـدّولـيّـة لِـمـن أتـى ذلـك الإثـمَ الـعـظـيـمَ بـدمٍ بـارد، وامـتـنـاعِ نـصـرة الأهـل وذوي الـقـربـى، وخـذلانِ سـلـطـةٍ مـعـدومـة الـقـرار فـي رام اللّـه...، قـد تـجـد مـن يـسـألـك عـمّـا عـسـاهـا تـكـون فـائـدة نـضـالات شـعـب فـلـسـطـيـن إذا كـانـت سـتـصـل إلـى هـذه الـخـواتـيـم الـمـأسـاويّـة؛ فـالـفـجـوةُ مَـهُـولـة بـيـن حـجـم الـتّـضـحـيّـات الـجـسـيـمـة الـمـقـدَّمـة مـن وراء تـلـك الـنّـضـالات وحـصـيـلـة الـمـكـاسـب الـمـتـواضـعـة الـمـتـحـقّـقـة مـيـدانـيّـاً. ولا مِـرْيـة، عـنـدنـا، فـي أنّ الـمـقـارنـة بـيـن الـجـلاّد والـضّـحـيّـة غـيـرُ جـائـزة، بـالـقـطْـع، إنْ تـعـلَّـق الأمـر بـمـا لـدى كـلٍّ مـنـهـمـا مـن قـدْراتٍ مـادّيّـة؛ إذِ الـتّـوازنُ فـي الـقـوّة بـيـنـهـمـا مـخـتـلٌّ اخـتـلالاً فـادحـاً مـن غـيـر قـيـاس. لـكـنّـه كـذلـك هـو، دائـمـاً، فـي تـجـارب الـتّـحـرُّر الـوطـنـيّ كـافّـة؛ إذْ مـتـى احْـتـازَ الـمـسـتـعـمَـر قـوّةً مـادّيّـةً أكـبـر مـن الـتـي يـمـلـكـهـا الـمـسـتـعـمِـر والـمـحـتـلّ والـمـغـتـصِـب أو نـظـيـرَهـا عـلى الأقـلّ؟ مـع ذلـك، لـم يـجـرؤ أحـدٌ أن يـسـأل حـركـةَ تـحـرُّرٍ وطـنـيّ عـمّـا إذا كـان لـكـفـاحـهـا مـكـانٌ أمـام هـوْل الـفـارق فـي نـسـبـة الـقـوى. ولـو شـكّـت شـعـوبُ الـجـنـوب وحـركـاتُ الـتّـحـرُّر الـوطـنـيّ فـي الـمـسـتـعـمـرات فـي مـشـروعـيّـة كـفـاحـاتـهـا، لـمـجـرّد أنّـهـا أضـعـف مـن الـعـدوّ الـذي يـصـادر الحـقـوقَ بـالـقـوّة الـعـاريـة، لَـشَـكّـت فـي عـدالـة قـضـايـاهـا، حُـكْـمـاً، ولَـمَـا كـان لـتـحـرُّرٍ واسـتـقـلالٍ أن يُـنـال فـي هـذا الـعـالـم الـمـحـكـوم بـشـريـعـة الافـتـراس!
عـلـى أنّ الـدّم الـفـلسـطـيـنـيّ المسـفـوك، مـنـذ أعـوامٍ ثـلاثـة، لـم يـكـن رخـيـصـاً إلـى الـحـدّ الـذي يـفـتـرضـه الـمُـخـذِّلـةُ الـمـثـبِّـطـة حـيـن يُـزْرون بـنـتـائـجـه الـوطـنـيّـة قـائـلـيـن، مـن غـيـر خـجـل، إنّـه سُـفِـك مـجّـانـاً مـن دون أن يـجـلُـب مـا كـان يـجـب أن يُـسْـتَـأْتَـى مـن أهـداف. الأمـثـلـةُ عـلى فـسـاد هـذا الـقـولِ الـمـزعـوم كـثـيـرةٌ لا حـصْـر لـهـا؛ تـداعـيـات هـذه الإبـادة الـجـمـاعـيّـة تـستـفـحـل داخـل كـيـان الاحـتـلال فـي شـكـل تـنـاقـضـات مـحـتـدمـة بـيـن قـواه: بـيـن مـدنـيّـيـه وعـسـكـريّـيـه؛ بـيـن كُـتـلـه وأحـزابـه؛ بـيـن «عـلـمـانـيّـيـه» ومـتـديّـنـيـه الـمـتـطـرّفـيـن؛ بـيـن مـكـوّنـاتـه من الأصـول الـقـومـيّـة الـمـخـتـلـفـة الـمـسـتـوطِـنـة للأرض بـعـضـهـا الـبـعـض...إلـخ. مـا بـات يـعـيـشـه كـيـانُ الاحـتـلال، مـنـذ أعـوام، أكـبـرُ مـن تـنـاقـضـاتٍ تـتـفـاقـم بـهـا الأزمـات؛ بـات، بـالأحـرى، يـعـيـش حـربـاً أهـلـيّـةً صـامـتـة لا يـمـنـعـهـا مـن الانـدلاع والاتّـسـاع سـوى تـلك الـجـبـهـات الـتي يـفـتـحـهـا الاحـتـلالُ مـحـارِبـاً؛ فـفـي حـربـه فـقـط مـا يـوحِّـده ويَـلُـمّ شَـعَـثَـه ولـو إلـى حـيـن. وهـذا مـا يـفـسّـر ذلـك الـنّـزيـفَ الـبـشـريّ الـذي أضـحـى يـهـدّدهُ نـتـيـجـة الـهـجـرة الـمـعـاكـسـة للـمـسـتـوطـنـيـن هـربـاً مـن مـسـتـقـبـل الأرض الـغـامـض إلـى أصـقـاع الأرض.
مـا كـان ذلـك لـيـحـدث فـي الـكـيـان لـولا كـفـاح غـزّة وفـلـسـطـيـن الـوطـنـيّ، ولـولا بـلـوغ هـذا الـكـفـاح الـحـدَّ الـذي أعـجـز الاحـتـلال عـن الاسـتـيـعـاب الاسـتـراتـيـجـيّ للـعـمـل الـوطـنـيّ الـفـلـسـطـيـنـيّ. ومـا كـانـت صـورةُ الاحـتـلال فـي الـعـالـم لـتـصـير شـوهـاء؛ ولا كـان لـقـادتـه الـسّـيـاسـيّـيـن والـعـسـكـريّـيـن أن يُـمـنـعـوا مـن دخـول عـواصـمَ ومـدنٍ فـي الـغـرب، تـحـت طـائـلـة اعـتـقـالـهـم كـمـجـرمـي حـرب مـلاحَـقـيـن قـضـائـيّـاً؛ ولا كـان لـشـعـوب أوروبـا أن تـنـتـفـض ضـدّه ولا للـشّـبـاب الأمـريـكـيّ وطـلاّب الـجـامـعـات أن يـقـلـبـوا الـرّوايـة الـغـربـيّـة عـن الاحـتـلال رأسـاً عـلى عـقـبٍ ويـسـفّـهـوهـا بـمـظـاهـراتـهـم واعـتـصـامـاتـهـم ودعـواتـهـم الـيـومـيّـة إلـى مـقـاطـعـتـه... مـا كـان لـهـذا أن يـحـدث لـولا مـا جـرّتْـهُ لـعـنـة غـزّة عـلى الاحـتـلال مـن الـمـغـبّـات فـي أركـان الأرض كـافّـة. يـكـفـي أن تـصـيـر الـكـوفـيّـة الـفـلـسـطـيـنـيّـة، الـيـوم، زيـنَـةَ شـبـاب الـعـالـم يـرتـدونـهـا أو يـتـلـفّـعـون بـهـا أو يـلـفُّـونـهـا عـلى الـرّؤوس والأعـنـاق؛ فـهـي دلـيـل الأدلّـة عـلى مـا بـاتـت تـعـنـيـه فـلـسـطـيـن فـي الـضّـمـيـر الـعـالـمـيّ...