تاريخ النشر: 2026-08-31 | 13:56
الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة ...
تاريخ النشر: 2026-08-31 | 13:56
ليس من اليسير تناول مشروع فكري بحجم كتاب الدكتورة غانية ملحيس «الطوفان: بداية تصويب اعوجاج التاريخ» تناولًا عابرًا. فنحن أمام عمل موسوعي في ثلاثة أجزاء، يضم نحو 170 مقالًا، تمثل في مجموعها محاولة لتوثيق مرحلة استثنائية من تاريخ القضية الفلسطينية، ورصد تطوراتها وتحولاتها منذ إرهاصات السابع من أكتوبر 2023 وما أعقبه من تداعيات فلسطينية وإسرائيلية وعربية وإقليمية ودولية.
ومن ثم، فإن الاختلاف مع صاحبة الكتاب لا ينتقص من قيمة الجهد المبذول فيه، ولا من مكانتها الفكرية والثقافية، ولا من حقها المشروع في تقديم قراءتها الخاصة لأحد أكثر الأحداث تأثيرًا في التاريخ الفلسطيني الحديث.
غير أن قيمة الكتاب، في تقديري، لا تكمن في حجمه وحده، بل في أنه يطرح سؤالًا يتجاوز الحدث نفسه:
هل كان السابع من أكتوبر 2023 بداية فعلية لتصويب اعوجاج التاريخ، أم أنه أحدث زلزالًا تاريخيًا وسياسيًا كبيرًا لا يزال التاريخ ينتظر ليرى إلى أين ستؤول نتائجه؟
هنا تحديدًا يكمن موضع الاختلاف.
أولًا: بين كسر المعادلة وتصويب التاريخ
لا يستطيع أحد إنكار أن السابع من أكتوبر أحدث كسرًا هائلًا في صورة القوة والردع الإسرائيليين، وأطاح بكثير من المسلمات التي استقرت في الوعي السياسي الإسرائيلي والدولي بشأن قدرة إسرائيل على التحكم في مسار الصراع الفلسطيني. كما أعاد القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام العالمي، بعد سنوات من محاولات تهميشها وإدارتها سياسيًا بدلًا من حلها.
وهذه كلها حقائق لا ينبغي التقليل من شأنها.
لكن الزلزال ليس هو التصحيح.
فالحدث التاريخي قد يكسر معادلة، أو يهدم صورة، أو يفتح نافذة جديدة في مسار التاريخ، لكنه لا يصبح بالضرورة تصحيحًا لذلك المسار إلا عندما تتحول تداعياته إلى نتائج وطنية وسياسية واستراتيجية مستدامة.
ومن هنا، ينبغي التمييز بين قوة الحدث وحصيلته التاريخية.
فالقوة الرمزية والعسكرية لحدث ما لا تكفي وحدها للحكم بأنه حقق تحولًا استراتيجيًا. والتحول الاستراتيجي لا يُقاس بحجم الصدمة التي أحدثها الحدث، بل بقدرته على تغيير موازين القوى، وفتح طريق واقعي نحو التحرر، وتعزيز وحدة الشعب، وتحقيق مكاسب سياسية قابلة للتراكم، وحماية المجتمع الذي يخوض الصراع.
ثانيًا: ماذا يعني «تصويب اعوجاج التاريخ»؟
هنا نصل إلى جوهر المسألة.
توضح الدكتورة غانية ملحيس أن المقصود باعوجاج التاريخ ليس التاريخ في ذاته، بل السردية التي حكمت جانبًا واسعًا من كتابة التاريخ الحديث، حين تحولت القوة إلى مصدر للشرعية، وأصبح الاحتلال والغلبة معيارًا للحقيقة. وبذلك، تمنح عنوان الكتاب دلالة فكرية تتجاوز الحدث العسكري المباشر إلى الصراع على الرواية والوعي والشرعية.
وهذا طرح يستحق الحوار.
لكن إذا كان الأمر كذلك، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحًا:
هل أدى الطوفان بالفعل إلى تصويب هذه السردية، أم أنه كشف اعوجاجها فحسب؟
فالانكشاف ليس تصحيحًا.
وكشف الحقيقة ليس هو تحقيقها.
وسقوط صورة ذهنية عن قوة الاحتلال لا يعني بالضرورة سقوط الاحتلال ذاته.
لقد كشف السابع من أكتوبر هشاشة كثير من الصور التي بُنيت حول التفوق الإسرائيلي المطلق، كما كشف للعالم حجم المأساة الفلسطينية وطبيعة الصراع الذي حاولت بعض القوى الدولية اختزاله في إدارة أمنية أو تفاوضية محدودة.
لكنه، في الوقت ذاته، فتح أبوابًا على مأساة إنسانية هائلة في قطاع غزة، وأتاح لإسرائيل شن حرب تدميرية واسعة، ودفع مشروع التهجير والاستيطان والضم إلى مستويات خطيرة.
وهنا لا بد من التمييز الأخلاقي والسياسي:
تقع مسؤولية العدوان والدمار على الاحتلال الذي شن الحرب ومارس التدمير والعقاب الجماعي، ولا يجوز تحميل الضحية مسؤولية جرائم المعتدي.
لكن ذلك لا يعفينا نحن الفلسطينيين من حقنا وواجبنا في تقييم قراراتنا وأفعالنا وآثارها على شعبنا.
فالعدالة في تحميل الاحتلال مسؤولية جرائمه لا تعني تعطيل العقل السياسي الفلسطيني عن مساءلة الذات.
ثالثًا: هل إعادة فلسطين إلى الواجهة تعني تصويب التاريخ؟
ربما تكون هذه أكثر الحجج حضورًا في تقييم نتائج السابع من أكتوبر: لقد عادت فلسطين إلى واجهة العالم.
نعم، عادت فلسطين بقوة.
لكن فلسطين لم تغب أصلًا عن التاريخ.
كانت حاضرة في الذاكرة، وفي المخيمات، وفي القدس، وفي الضفة وغزة، وفي الشتات، وفي مقاومة الشعب الفلسطيني المتواصلة منذ النكبة.
ما تغير هو درجة حضور القضية في النظام الدولي وفي الرأي العام العالمي.
وهذا إنجاز مهم.
لكن علينا ألا نخلط بين إعادة الاعتبار للقضية وتحقيق أهدافها الوطنية.
فالتضامن الشعبي العالمي لا ينشئ دولة فلسطينية.
والتعاطف الدولي لا ينهي الاحتلال.
والإدانة السياسية لا توقف الاستيطان.
والوعي العالمي المتزايد لا يعيد اللاجئين تلقائيًا إلى ديارهم.
إن هذه التطورات جميعًا يمكن أن تكون مقدمات لتصحيح تاريخي، لكنها ليست التصحيح ذاته.
رابعًا: التاريخ الفلسطيني أكبر من السابع من أكتوبر
وهنا أختلف جوهريًا مع أي قراءة تجعل السابع من أكتوبر مركز التاريخ الفلسطيني أو نقطة بدايته الجديدة.
فالتاريخ الفلسطيني ليس حدثًا واحدًا.
إنه تاريخ شعب عاش النكبة، والتهجير، والاحتلال، والمقاومة، والثورة، وبناء منظمة التحرير، والانتفاضات، والمسار السياسي والدبلوماسي، والنضال من أجل الاعتراف الدولي، وصولًا إلى مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة.
السابع من أكتوبر جزء من هذا التاريخ، ولا يختصره.
وإذا كان الكتاب يريد قراءة التاريخ من زاوية تصحيحه، فإن معيار التصحيح يجب أن يكون القضية الفلسطينية بكامل عناصرها، لا الحدث العسكري وحده.
فهل نحن، بعد السابع من أكتوبر، أقرب إلى إنهاء الاحتلال؟
هل اقتربنا من إقامة الدولة الفلسطينية؟
هل أصبحت القدس أقرب إلى التحرير؟
هل اقترب اللاجئون من حق العودة؟
هل توحد النظام السياسي الفلسطيني؟
هل استعادت منظمة التحرير موقعها إطارًا وطنيًا جامعًا؟
هل أصبح القرار الوطني الفلسطيني أكثر استقلالًا ومؤسسية؟
هل تراجعت قدرة الاحتلال على التوسع والاستيطان؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن يجيب عنها التاريخ، لا الحماس وحده.
خامسًا: المقاومة ليست فوق النقد
ومن الضروري هنا تسجيل موقف واضح:
الدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في المقاومة لا يعني منح أي فصيل أو قيادة حصانة من النقد والمساءلة.
فالمقاومة حق وطني مشروع في مواجهة الاحتلال، لكن ممارسة هذا الحق تحتاج إلى استراتيجية وطنية، وتقدير للقدرة والكلفة، ورؤية واضحة لما بعد الفعل.
وقد كتبت سابقًا أن إشكالية السابع من أكتوبر لا تكمن في مجرد وقوع الحدث، بل في أنه جاء خارج منظومة قرار وطني فلسطيني موحد، وفي ظل انقسام سياسي عميق، الأمر الذي جعل الشعب الفلسطيني يواجه تداعياته من دون شبكة أمان وطنية قادرة على إدارة نتائجه أو تحويل زخمه إلى مشروع سياسي جامع.
وهذه ليست دعوة إلى إدانة المقاومة، بل إلى تحريرها من الفردية والفصائلية، وإعادتها إلى إطار الاستراتيجية الوطنية الفلسطينية الجامعة.
فالقرار المصيري المتعلق بحياة شعب بأكمله لا ينبغي أن يكون قرار فصيل، مهما كانت دوافعه ومهما كانت شجاعته.
سادسًا: ما الذي يمكن أن يكون قد صُوّب فعلًا؟
ربما يكون السابع من أكتوبر قد بدأ فعلًا تصويبًا في الوعي.
لقد اهتزت سرديات كثيرة.
وانكشف كثير مما كان مخفيًا.
وتغيرت صورة الفلسطيني في قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي.
وانفتح نقاش دولي واسع حول الاحتلال والاستيطان وحقوق الفلسطينيين.
وتراجعت مسلمات سياسية ظلت مهيمنة لعقود.
كل ذلك مهم.
لكنني أفضل أن نسميه:
بداية انكشاف تاريخي، لا اكتمال تصحيح تاريخي.
فالطريق بين الاثنين طويل.
ولا يزال مفتوحًا على احتمالات متعددة.
قد يتحول هذا الحدث إلى رافعة تاريخية للقضية الفلسطينية إذا استطاع الفلسطينيون تحويل تداعياته إلى وحدة وطنية، وإعادة بناء مؤسساتهم، واستعادة منظمة التحرير لدورها الجامع، وتوحيد القرار الوطني، وربط المقاومة بالبرنامج الوطني، وتحويل التضامن الدولي إلى ضغط سياسي وقانوني فعّال من أجل إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة المستقلة.
أما إذا بقي الطوفان حدثًا عسكريًا كبيرًا محكومًا بالانقسام، وظلت نتائجه الإنسانية والسياسية أكبر من القدرة الفلسطينية على إدارتها، فقد يسجل التاريخ الحدث بوصفه منعطفًا عظيمًا ومأساويًا في آن واحد، لا بوصفه تصحيحًا مكتملًا لمساره.
وأخيرًا...
أقدر للدكتورة غانية ملحيس شجاعتها في طرح سؤال كبير، كما أقدر جهدها التوثيقي والفكري في جمع هذا الكم الهائل من المادة وتحويله إلى مشروع لقراءة الحدث وتداعياته. فالكتاب، كما تقول صاحبته، لا يريد أن يكون مجرد أرشيف للوقائع، بل محاولة لقراءة المسارات التي يمكن أن تفتحها هذه اللحظة التاريخية.
لكنني أختلف معها في الاستنتاج المبكر الذي يمنح الحدث صفة «بداية تصويب اعوجاج التاريخ». فهذا العنوان، في تقديري، لا يمثل حقيقة سياسية أو تاريخية مكتملة بقدر ما يعكس موقفًا سياسيًا ينحاز إلى قراءة الحدث من زاوية رمزية، ويتغاضى عن بعض الحقائق المتعلقة بكلفته الإنسانية والسياسية، وبالدور الذي أدّاه اليسار، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في توفير الغطاء السياسي أو التبريري لحماس ولجماعة الإخوان المسلمين، بدلًا من إخضاع هذا المسار للنقد الوطني الضروري.
فالتاريخ لا يُصوَّب بالشعارات، ولا بالانتصارات التكتيكية وحدها، ولا بالصدمة، ولا حتى بتغيير الوعي.
التاريخ يُصوَّب عندما تتغير الوقائع التي صنعت الظلم.
وعندما يصبح الشعب الفلسطيني أقرب إلى حريته.
وعندما يتراجع الاحتلال بدلًا من أن يتمدد.
وعندما يصبح قيام الدولة الفلسطينية المستقلة حقيقة سياسية لا وعدًا مؤجلًا.
وعندما يجد اللاجئ طريقه إلى حقه.
وعندما تصبح القدس في قلب الدولة الفلسطينية الحرة.
وعندما يستعيد الشعب الفلسطيني وحدته وقراره الوطني المستقل.
لذلك، فإنني لا أقول إن السابع من أكتوبر لم يكن تاريخيًا.
بل أقول العكس تمامًا:
كان تاريخيًا إلى درجة أننا لا نملك بعد حق كتابة نهايته.
فالتاريخ لم يحكم بعد.
والطوفان لم يقل كلمته الأخيرة.
والتصويب الحقيقي، إن بدأ، لن تثبته صفحات الكتب وحدها، بل ستثبته الوقائع التي سيعيشها الفلسطيني بعد الطوفان.
وهنا يبقى السؤال مفتوحًا، لا إدانةً للكتاب، بل احترامًا للتاريخ:
هل كان الطوفان بداية تصويب اعوجاج التاريخ... أم بداية مرحلة جديدة من الصراع على تصويب مساره؟
والفارق بين السؤالين هو الفارق بين قراءة الحدث والحكم على التاريخ.