تاريخ النشر: 2026-10-12 | 05:31
تاريخ النشر: 2026-10-12 | 05:31
للسّـياسـة الحـديـثـة تـاريـخان: تـاريـخٌ مـحـلّـيّ إطـارُه الكـيانـيّ الدّولـةُ الوطـنـيّـة الحـديـثـة؛ وتـاريـخٌ كـونـيّ هـو تـاريـخ الأطـر والسّـياسـات الدّولـيّـة العـابـرة لـحـدود الجـمـاعات السّياسيّـة القـوميّـة. وسـواء في نطـاق الدّولـة الوطـنـيّـة أو فـي نطـاق العـلاقـات البـيـنـيّـة للـدّول، كـان معـتـمَـدُ السّـياسـة في اسـتـوائـهـا نظـامَ تـدبـيـرٍ جـديـد للمـصـالح العـامّـة ومِـدْمـاكُ صَـرْحِـهـا الأوّلُ هـو استـتـباب السِّـلـم: السِّـلـمُ المـدنـيّـة داخـل كـيـان الـدّولـة، والسّـلم العالمـيّـة بيـن الـدّول في عـلاقـاتـها بـبـعـضـهـا وداخـل أطـرهـا الاتّـحاديّـة (منـظّمـة الأمـم المتّـحـدة اليـوم). هـو مـعـتـمَـدُها في الحـاليـن لأنّـه مـن دون اسـتـتـباب السِّـلـم لا إمكـان للتّـعايـش بيـن الأفـراد والجمـاعـات في المجـتـمع الوطـنيّ الواحـد ولا إمكـان للتّـعايـش بيـن الأمـم والـدّول في نظـام العـلاقـات الكـونيّـة. ولـقـد شُـدِّد على لـزوم السِّـلـم للوجـود السّـياسيّ والاستـقـرار إلى حـدودٍ بـولِـغَ فيـها، أحـيـانـاً؛ فـقـيل - بألسـنـة فـلاسفـةٍ وسيـاسيّـيـن وفـقـهاء قـانون...- إنّ الـدّولـة مـا وُجِـدَتْ (و، بالتّـالي، مـا وُجِـد النّـظـام الـدّولـيّ) إلاّ لـغـايـةٍ هـي حِـفْـظ السّـلـم مـن الانـتـقـاض الـذي بـه لا يـتـهـدّد وجـودُ الـدّول والمجـتـمعـات فحـسـب، بـل يـتـهـدّد البـقـاء الإنسـانـي وقـانـونَهُ الطّـبيـعـيّ الحـاكـم: قـانون حـفـظ النّـوع الإنسـانـيّ. لا جَـرَمَ أنّ تـشـريـع منـظومـةٍ مـن القـوانيـن الـدّائـرة على هـدف حمايـة السّـلْـم - المـدنـيّـة والعالمـيّـة - وصـوْنِـهـا وإحـاطتِـهـا بالضّـمـانات لهـو ممّـا يـقـع في قـلـب أولـويّـات كـلّ سياسـةٍ وطـنـيّـة أو دوليّـة، وفي قـائـمـة كـلّ نظـامٍ قـانونـيّ في الدّولـة وفي النّـظام الدّولـيّ يُـراد إنـفـاذُ أحـكامـه...
الإلـحـاحُ الشّـديـد على مسـألة السِّـلم ومـركـزيّـتِـها في كـلّ اجـتـمـاعٍ سياسـيٍّ، ضـيِّـقِ النّـطاق الكـيانـيّ أو واسـعِـه، ليس يعـني - على جهـة القـطـع - أنّـه يفـصح عـن حـقيـقـةٍ واقـعـة فعـلاً داخـل المجتـمـعيـن الوطـنـيّ والعالمـيّ؛ إذِ القـولُ بالسّـلـم وبنـاءُ الخـطـاب السّـياسـيّ عليها شيءٌ، وقـيـامُ السّـياسـة (الدّولـة، النّظـام العالـميّ) عليها شيءٌ آخـر تـمـامـاً، فـلا تَـلاَزُمَ بيـن المَـقُـول السّيـاسـيّ والواقـع السّـياسـيّ، وهـو يُـشـبـه أيّ قـوْلٍ في السّـياسـة ومـقـتـضيـاتِهـا نظـيـرٍ مـن قـبيـل القـول بحاجـة السّـياسة إلى الحـرّيّـة أو إلى العـدالـة الاجتماعـيّـة؛ فـهـذا أيضـاً ممّا يتجـافى والواقـع المـوضوعيّ للسّـياسـة الذي تـنـعـدم فيـه القيـمـتان تَـانِـك. لِـنـقُـل، إذن، إنّ القـول بالسِّـلـم جـوهـراً للنّـظام المـدنـيّ والـدّولـيّ لا يـعـدو أن يكـون واحـدةً من الأسـاطيـر المؤسِّـسـة للسّياسـة. لـقـد سُـدِّد الكـثـير مـن النّـقـد لهـذه المَـزْعـمـة السّياسيّـة، في الفـكـر الفـلسفـيّ والسّـياسيّ الحديـث، ولكـن مـا بـرِحـتِ الحاجـةُ ماسّـةً إلى استـكـمالـه وتعـميـقه قصـد تحريـر نظـرتـنا إلى السّيـاسـة مـن آثـارها في تـزيـيـف الوعـي ومنْـعـه من بنـاء الإدراك الصّـحيـح لـها وللـدّولـة ولـقـواعـدهما.
كـانت الفلسفـة الماركـسيّـة قـد انـتـقـدت، بشـدّة، فـرضيّـة السِّـلم الاجتـماعـيّـة بـما هي مبـدأٌ حـاكـم للمجـتـمعـات وفـنّـدتْـها، منـبِّـهـةً إلى ما يخـتـرق المجتـمعـات ويصنـع واقـعـها مـن عـلاقـاتٍ صـراعيّـة، متـفاوتـةِ الحـدّة والأثـر، بيـن طبـقـات المجتـمـع وفـئـاته المخـتلـفة. وليس الصّـراع الاجتـماعـيّ قـانـونـاً حـاكـماً، في نظـرها، إلاّ لأنّ المجتـمـع منـقـسم على أسـاس مصـالحَ متـنـاقضـة ومتـضاربـة بين طـبـقاتـه بحيـث تسـعى كـلّ طبـقـة إلى الـدّفـاع عن مصالحـها - القائمـة أو المرجـوّة- في وجـه أخرى تـنـازِعـها إيّـاهـا. إذا كـان ذلك الصّـراع مـفهـوماً في المجتمعات قـبـل الحديثـة؛ حيث سـاد الاستعـباد ثـمّ الإقطـاع والسُّـخرة واضـطـهاد الفـلاحيـن... وسيادة السّلـطة الجائـرة، فهـو صـراعٌ مسـتـمرّ حتّى في الـدّول الحديثة لاستـمرار أسبـابه الاجـتـماعيّـة (تـنـاقـض المصالـح)، لكـنّـه يخـتـفـي وراء أسـتارٍ مـن الحجْـب القانـونيّ والإيـديولوجـيّ تُـسْـدَل عليه لئـلاّ يـنـكـشف فيـكون ذلك دافـعـاً نحـو مـزيـدٍ مـن الصّـراع. يعـود إلى الإيـديولـوجيـا اللّـيبرالـيّـة وخـطابِـها السّـياسيّ دورُ حـجْـب ذلك المضمـون الصّراعيّ للعـلاقات الاجتماعيّـة وإنـكـار فـاعـليّــته، من طريق تكريس معـتـقـدٍ اجتـماعيّ- سياسيّ جـديـد هـو الذي تعـبّـر عـنـه فكـرة السِّـلـم الاجتماعـيّـة منـظوراً إليها بما هي العـلاقة الحاكمـة لـكـلِّ اجتـمـاعٍ سياسيّ؛ على نحـو ما تَـكــرَّس الاعـتـقـادُ بذلك في الفـلسفة السّياسيّـة الحديثـة، ابتـداءً، ثـمّ شـاع بـعـد ذلك في الفـكـر السّياسيّ عمـومـاً.
أن تـذهـب هـذه الفـلسفـة إلى نـقـد فـرضيّـة السِّـلـم الاجتماعيّـة ودحضـهـا، وبيـانِ مجافـاتـها لمـا تجـري بـه عـوامـلُ الاجتـماع الإنسانيّ من قـوانيـن، لا يعـنـي ذلك - بـأيّ وجـه - غيـابَ كـلِّ مظـهـرٍ للسّـلـم مـن النّـظام الاجتماعيّ، وإلاّ مـا كان لـه أن يـقـوم وأن يستـقيـم ويـنـتـظِـم عـملُـه. قـد لا يكـون في وُسْـع مبـدأ السِّـلم الاجتـماعـيّـة أن يـغـيّـر مـن حقيـقـة الصّـراع الاجتـماعـيّ على المصالـح أو مـن مـوضوعيّـةِ - وحتـميّـة - مـفاعيـلها في النّـسيـج الاجتماعيّ، لأنّ الصّـراع ذاك حـقيـقـةٌ سوسيـولوجيّـة لا فـرضيّـة معـرفـيّـة؛ مع ذلك، يسَـع السِّـلم الاجتماعيّـة - مسـلَّـحـةً بمنـظـومـة قـوانيـنها - أن تـهـذِّب قـانـون الصّـراع الاجتماعيّ وأن تـحُـدَّ مـن الآثـار التي يمـكـن أن تكون سلـبيّـةً في ذلك الصّـراع، والتي قـد يـتـهـدّد بـها الاستـقـرار الاجتـماعيّ. ولـعـلّ النّـظـامَ الدّـيمـقراطيّ يكـون أعلـى أشكـال تـهـذيب ذلك الصّـراع واستيـعابـه ضـمـن الأطـر القـانـونيّـة.
مـن الواضـح، إذن، أنّ السّـلـم الاجـتـماعيّـة لا يمـكنها أن تكـون قـانـونـاً حاكـمـاً لمجتمعاتٍ تخـتـرقـها عـلاقات الصّـراع على المصالح؛ لأنّـها (= السِّـلم) ليست مـن نسيـج الاجـتـماعيّ أو مـن نُـسْـغـه، ولأنّـها لا تملـك أن تـغـيِّـر ماهيـة المصالـح المتضاربـة بيـن طـبقـاتٍ وفئـات متـبايـنة. ولـكنّ السِّـلم - مـن حيث تـعـبِّـر عـن إرادةٍ (لا عـن قـانون اجـتـماعـيّ مـوضوعيّ) - تـسـتطيـع أن تـتـدخّـل مـن أجـل مـنْـع القـانون الاجتماعيّ (الصّـراع) مـن أن يـفـرض أحكـامَـه إلى الحـدّ الذي يـمـتـنـع معـه قيـامُ مجـتـمعٍ سياسيّ ووحـدة وطـنيّـة...