الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

الشيخ

الشيخ

تاريخ النشر: 2024-10-18 | 13:56

وأنا صبي صغير كنت أرقب العالم من حولي من زاوية ضيقة جدا وأراه فقط بلونين أثنين متنافرين هما الأبيض والأسود ، لم أكن حينها قادرا على التفريق جيدا بين الغث والسمين أو الحكم الدقيق على الأمور وبالرغم من ذلك ظلت ذاكرتي تحتفظ بقسط وافر من أحداث تلك الفترة المبكرة ومن أبرزها قيام أبي - رحمه الله - الرجل الطاعن الوقور باصطحابي أيام الجمع لأداء صلاة الظهر في مسجد قريب متواضع وهو محتضن يدي الصغيرة الناعمة بكفه الكبيرة الخشنة بحرص واضح كنت استشعر من خلاله حنانا فائضا وحبا جما ، وهناك كنت أرى حركة رتيبة للداخلين وجموعا من الخلق جالسة ساكنة كأن على رؤوسهم الطير قبل أن يعتلي المنبر الخشبي العتيق كهل عجيب المنظر طويل اللحية يتكئ على عكاز غليظ ويغطي رأسه بشماغ أبيض منسدل على الكتفين ، كان الرجل يبادر الجموع المنتظرة الذاهلة فور صعوده بسلام خافت ويجلس كالأمير واثقا مطمئنا منتظرا انتهاء الآذان وفور ذلك ينهض بروية متكاسلا ليباشر الكلام بنبرة هادئة رائقة ولا يلبث على تلك الحال طويلا إذ يرتفع صوته تدريجيا ويضحي جهوريا مجلجلا كلما أوغل في الخطابة ناثرا على مسامع الحضور والقاطنين في محيط المسجد القريب بفعل مكبرات الصوت كلاما عجيبا لم أكن أهضم جله بعقلي الطفولي البسيط ، وبمجرد أن تنتهي صلاة الظهر كنت أرى بعضا من الحضور يهرولون مسرعين باتجاه الشيخ للسلام عليه وتقبيل يده طمعا في نيل بركة مفقودة دون أدنى اعتراض منه !! وقد كان بعضهم يبالغ في الانحناء وهو يقبل يد الرجل الجالس المبتسم وجبينه في آن رغم أنه قد يكون أكبر سنا منه !! قد يكون ذلك المشهد هو ما جعل لشيخ جامع حارتنا مهابة كبرى ومكانة جليلة بنظري ، وقد ظلت صورة ذلك الشيخ المنتفش وعلامات الرضا والحبور واضحة بادية عليه عالقة بذهني عقودا عديدة لم تتفلت أو تتشوش أو تهتز أو تتغير إلا بعد أن تكونت مداركي جيدا بفعل النضوج وتراكم تجارب الحياة والقراءة العميقة الواعية والاطلاع الواسع المتأني .

كان شيخ جامع حارتنا رجلا عارفا موسوعيا من طراز نادر فريد لا يسأل عن شيء من أمور الدين أو الدنيا إلا ويفتي ويجيب رغم أن تحصيله العلمي كان متواضعا جدا وفقيرا !!.

وقد كان يسرف في الدعاء خلال كل خطبة وكان الحضور يؤمّنون بوعي أو بدون ، كان يدعو بالنصر لإخواننا المجاهدين في أفغانستان وفي كشمير وتركستان وبلاد الشيشان والصومال والسودان وغيرها من بلاد المسلمين ، كان يدعو على المسيحيين واليهود والهندوس والمجوس ناعتا إياهم بعباد الصليب والضالين وعباد النار والمشركين والكفار ، وقد أدركت أن الرجل يحفظ دعائه الممجوج عن ظهر قلب لأنه كان دوما يكرره بذات العبارات والألفاظ ، وقد كنت لفرط سذاجتي أؤمّن بدوري على دعائه وأنا موقن تماما بأن استجابة الرب حاصلة حتما وآتية بلا ريب !!.

ولم يكن الرجل ينسى قبل نزوله عن المنبر أن يحث المصلين جميعا الموسرين منهم والفقراء على التبرع لله !! الله العلّي الغني الذي في السماء !! وبإشارة منه كان فتية صغار مدربين جيدا يخترقون صفوف الحضور على التوازي بنظام وسرعة لافتة وهم يحملون سجادات صلاة صغيرة اقترنت زواياها الأربع معا فتحولت لما يشبه الأكياس وكنت أشاهدهم وهم يفرغون حمولاتها النقدية في صندوق بلاستيكي بإحدى زوايا المسجد ويقف بعضهم حارسا للمال الذي لا يعرف أحد على وجه اليقين وجهته الحقيقية أو مصيره النهائي !!.

وعندما كبرت ووعيت أدركت أن شيخا هذا حاله لا يمكن أن يكون مترجما أمينا لله وأنه لا يختلف عن أي كاهن آخر ، فهو يظل باحثا حريصا عن مصالحه الخاصة كالمال والنفوذ والسلطة ، وقد عاينت في واقعي الاجتماعي المعاش أشباها كثر لذاك الشيخ مصابين بانفصام شديد عن الواقع يريدون فتح روما بسيف ورمح وترس وقطع المسافة الطويلة إليها على ظهر الحمير والبغال والجمال !! ليس لأنها رخيصة الثمن ومتوفرة كثيرا في بيئتنا البدوية البدائية بل لأننا لا نملك غيرها !!.

ولا نكاد نجد في وقتنا الحاضر شيخا موزونا عاقلا قد تحرر تماما من تخاريف السلف وأساطيرهم البالية ، شيخا يفتح عيون الناس وينير عقولهم من خلال إبراز وتوكيد أن خدمة الدين لا تكون بإنجاز الطقوس والعبادات فقط ولكن بخدمة الأوطان عبر إتقان علوم الدنيا الحديثة واقتحام مجالات التطور والإبداع والإنتاج ، وهو ما لا يمكن أن ننجح بتحقيقه بدون احترام إنسانية الإنسان وتقديس حريته وصون حقوقه .

إن بقاء أمثال هؤلاء الدجاجلة المرتزقة الجهال طافين على سطح حاضرنا يثلج صدور المتربصين شرا بنا وبأوطاننا لأنهم خير مؤبد للواقع الحالي المتخلف المزري وإن الكفر ليضحك من إسلام أمثال هؤلاء كما قال الشاعر والفيلسوف الباكستاني الكبير محمد إقبال .

×
أخبار
تركيا وحرب إيران: الهندسة العسكرية لردع مزدوج وتبلور «القطب الإقليمي الثالث» و س ج: إدارة ترامب ستفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية أ ف ب: تحالف سبعة تنظيمات مسلحة معارضة للإطاحة بالحكومة في إثيوبيا بعد الهزيمة التاريخية في انتخابات ولايات ألمانية..ميرتس يتعهد بالمضي قدماً في الإصلاحات "ذا نيويوركر" تسلط الضوء على "قطر غيت" وشبكات النفوذ في مكتب نتنياهو صحيفة سويسرية: خطة ألمانية قد تؤدي لترحيل نصف مليون سوري تقرير: سيناريو استخباراتي يُثير مخاوف دول الخليج وتركيا حال سقوط نظام إيران عبد العاطي لوفد المنظمات اليهودية الأمريكية: نرفض أية محاولات لتهجير الفلسطينيين وثيقة سرية: روسيا وإيران توسعان قنوات مالية وتجارية للالتفاف على العقوبات رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل ميلوني تعلن إجراءات جديدة في المدارس الإيطالية بينها حظر النقاب هرتسوغ كان يعرف ما الذي يفعله عندما أصدر عفوًا عن عزاريا قبل أقل من 40 يومًا من الانتخابات  وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط