مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

الحوار الوطني الفلسطيني: اتفاقات بلا تنفيذ وأزمة تتجدد

الحوار الوطني الفلسطيني: اتفاقات بلا تنفيذ وأزمة تتجدد

تاريخ النشر: 2026-10-15 | 18:24

حيدر العيلة
حيدر العيلة
كتبتُ في مناسبات عديدة عن الحوار الوطني الفلسطيني، وكنتُ وما زلتُ من المؤيدين له، لا باعتباره لقاءً يجمع الفصائل أو مناسبة لإصدار بيانات عن الوحدة الوطنية، بل بوصفه ضرورة لإنهاء الانقسام، واستعادة القرار الوطني المستقل، وإعادة بناء النظام السياسي على أسس ديمقراطية وتشاركية.
لكن التجربة أظهرت أن تعدد الحوارات والاتفاقات لم ينجح في إنهاء الأزمة؛ فالانقسام مستمر، والإقصاء قائم، ومفاتيح القرار ما زالت في أيدي القوى المتنفذة، بينما يبقى الشعب الفلسطيني، الذي يدفع أثمان الانقسام والحصار والعدوان، بعيداً عن التأثير الحقيقي في القرارات التي تحدد حاضره ومستقبله.
لذلك، لم يعد السؤال: هل نحتاج إلى حوار وطني؟ بل: كيف نحول الحوار من لقاءات متكررة إلى مسار ملزم للتغيير، ينهي الانقسام، ويعيد بناء المؤسسات، ويضع حداً لاحتكار القرار؟
حين يتحول الحوار إلى إدارة للأزمة
أثبتت التجربة الفلسطينية أن التوافق على عبارات عامة بشأن الوحدة والشراكة لا يكفي لبناء نظام سياسي قادر على مواجهة التحديات. فالمشكلة لم تعد في نقص المبادرات، بل في غياب آليات ملزمة لتنفيذ الاتفاقات، وتقديم الحسابات الفئوية ومصالح القوى المتنفذة على مقتضيات المصلحة الوطنية.
ولا يمكن بناء وحدة حقيقية في ظل الهيمنة والإقصاء، أو الحديث عن الشراكة بينما تُتخذ القرارات الأساسية بعيداً عن المشاركة الفعلية، وتُهمَّش المؤسسات، ويُختزل التمثيل الوطني في تفاهمات لا تضمن حق الجميع في التأثير والمساءلة، ومن حق الفلسطينيين في الوطن والشتات المشاركة في تقرير مستقبلهم عبر آليات ديمقراطية وتمثيلية واضحة، من خلال الانتخابات والأحزاب السياسية والنقابات والاتحادات ومنظمات المجتمع المدني، بما يضمن المشاركة والمساءلة، بعيداً عن الاحتكار والإقصاء.
إن الحوار الذي لا يغيّر قواعد إدارة الحياة السياسية، ولا يضع حداً لاحتكار القرار، قد يتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج الأزمة، مهما ارتفعت خلاله الشعارات الوطنية. فالوحدة ليست مطالبة للطرف الأضعف بالتنازل، ولا تسوية شكلية بين قيادات تتقاسم النفوذ، بل شراكة متكافئة في تحديد البرنامج الوطني وصناعة القرار وتحمل المسؤولية.
أسئلة لا يجوز تجاوزها
أي حوار وطني جاد يجب أن يحدد أهدافه ومرجعيته وأطرافه، وأن يجيب بوضوح عن أسئلة جوهرية: على أي أساس تُحدَّد المشاركة؟ ومن يضمن تنفيذ المخرجات ويحاسب من يتنصل منها؟ وهل نحن أمام تفاهمات مؤقتة لإدارة الخلاف، أم أمام مسار يعيد بناء النظام السياسي من أساسه؟
إن المطلوب ليس اتفاقاً جديداً يُضاف إلى أرشيف الاتفاقات السابقة، بل إصلاح سياسي يعيد الاعتبار للتمثيل الديمقراطي، ويستعيد مكانة منظمة التحرير الفلسطينية، ويجدّد مؤسساتها، ويحرر القرار الوطني من الاحتكار وحسابات المصالح الضيقة.
ولا يجوز أن يبقى الحوار شأناً فصائلياً مغلقاً، وكأن الشعب الفلسطيني مجرد جمهور ينتظر ما تقرره القيادات. فالقضية أكبر من الفصائل، والقرار الوطني حق للشعب، لا امتياز تتبادله القوى فيما بينها. ومن حق الفلسطينيين في الوطن والشتات أن يكونوا شركاء في تقرير مستقبلهم، لا مجرد متلقين لنتائج تفاهمات لم يشاركوا في صياغتها.
لا ديمقراطية بلا مؤسسات ولا وحدة بلا شراكة
لا يمكن فصل الحوار الوطني عن الديمقراطية والمساءلة. فالانتخابات ليست غاية منفصلة عن بقية استحقاقات الإصلاح، ولا موعداً يُعلَن ثم يُؤجَّل من دون ضمانات واضحة، بل أداة أساسية لتجديد الشرعيات واستعادة حق الشعب في اختيار ممثليه ومحاسبتهم.
كما أن إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية لا تتحقق بالشعارات أو الاتفاقات الجزئية، بل بتفعيل مؤسساتها وتجديد شرعيتها وتوسيع المشاركة فيها، بما يضمن تمثيل الفلسطينيين في كافة أماكن وجودهم. ولا يجوز اختزال المشروع الوطني في سلطة محدودة الصلاحيات، أو القضية الفلسطينية في التنافس على مواقعها ومقاعدها، بينما تبقى قضايا التحرر والعودة والقدس والاستقلال الوطني معلّقة.
وعليه، فإن إعادة بناء منظمة التحرير وتجديد شرعيتها التمثيلية وتفعيل مؤسساتها استحقاق وطني مستقل، لا يجوز ربطه بانتخابات السلطة الفلسطينية أو إخضاعه لمسارها السياسي والإداري. كما لا يجوز أن يصبح تعثّر انتخابات السلطة ذريعة لتعطيل إصلاح المنظمة، أو أن يُختزل مستقبل النظام السياسي الفلسطيني في التنافس على مواقع السلطة وصلاحياتها. فـمنظمة التحرير الفلسطينية، بصفتها المرجعية الوطنية والسياسية العليا، هي صاحبة الولاية الوطنية على السلطة الفلسطينية، وليست السلطة بديلاً عنها أو شريكاً موازياً لها في التمثيل الوطني. والمطلوب استعادة المنظمة دورها مرجعية وطنية جامعة، وتكريس مسؤوليتها السياسية والوطنية عن السلطة، وتحديد العلاقة بينهما على أساس مؤسسي واضح، يجعل السلطة أداةً لتنفيذ السياسات والبرامج الوطنية ضمن صلاحياتها، ويمنع ازدواجية القرار وتنازع الشرعيات.
غزة ليست ساحة لتصفية الحسابات
في غزة، حيث يدفع شعبنا أثماناً هائلة من الدم والدمار والنزوح وفقدان مقومات الحياة، تبدو الحاجة إلى حوار وطني مسؤول أكثر إلحاحاً. فلا يجوز أن تتحول معاناة الناس إلى ورقة في الصراع على السلطة، أو أن يصبح مستقبل القطاع موضوعاً لتفاهمات فوقية تتجاهل إرادة أبنائه وحقوقهم واحتياجاتهم.
غزة ليست غنيمة سياسية لفصيل، كما أن الضفة الفلسطينية ليست مجالاً لاحتكار القرار أو إقصاء الشركاء. إن وحدة الأرض والشعب والمؤسسات تقتضي رؤية وطنية تنهي الانقسام، وتضمن وحدة المرجعيات، وتضع إعادة الإعمار وحماية الناس واستعادة كرامتهم وحقوقهم في صدارة الأولويات، بعيداً عن المحاصصة وتبادل الاتهامات.
ولا يمكن تحقيق ذلك بقرارات منفردة أو ترتيبات تُفرض من أعلى، بل بشراكة وطنية حقيقية تجعل المجتمع الفلسطيني شريكاً في تحديد أولوياته ومستقبله.
ما المطلوب الآن؟ وما الذي ينبغي أن يخرج به حوار القاهرة؟
إن نجاح حوار القاهرة يتطلب الانتقال من إعلان النوايا إلى الاتفاق على خطوات عملية محددة، تتضمن:
أولاً: الاتفاق على برنامج سياسي وطني يحدد أهداف النضال الفلسطيني، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال، وتقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.
ثانياً: إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية على أسس ديمقراطية وتشاركية، تضمن مشاركة جميع القوى والمكونات الوطنية دون إقصاء أو تهميش، والاتفاق على صيغة انتقالية محددة الصلاحيات والمدة، تنتهي بالتجديد الديمقراطي والانتخابي.
ثالثاً: العمل على إجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني حيثما أمكن، وفق آليات تضمن أوسع مشاركة ممكنة للفلسطينيين في الوطن والشتات. وفي الأماكن التي يتعذر فيها إجراء الانتخابات، يمكن الاتفاق على ترتيبات تمثيلية واضحة، تضمن مشاركة القوى والمكونات الوطنية دون إقصاء أو تهميش.
رابعاً: الاتفاق على تشكيل حكومة توافق وطني بصلاحيات محددة، تتولى معالجة الاحتياجات الملحّة لشعبنا، وتوحيد المؤسسات في الضفة الغربية وقطاع غزة، والتحضير للانتخابات الرئاسية والتشريعية، ضمن برنامج وطني متفق عليه وجدول زمني واضح.
خامساً: إنهاء الانقسام وتعدد مراكز القرار عبر الحوار والشراكة، وتوحيد المؤسسات الوطنية على قاعدة المسؤولية المشتركة، ومنع الانفراد بالقرارات المصيرية.
سادساً: الالتزام بالانتخابات الرئاسية والتشريعية وانتخابات المجلس الوطني باعتبارها استحقاقات ديمقراطية لتجديد الشرعيات، والعمل على تنظيمها ضمن مسار وطني متكامل، وفق آليات متفق عليها تضمن مشاركة الفلسطينيين في الوطن والشتات. ويجب التأكيد أن المرحلة الانتقالية التوافقية ليست بديلاً عن الانتخابات، ولا مبرراً لتأجيلها إلى أجل غير محدد.
سابعاً: ضمان الحريات العامة والتعددية وسيادة القانون بما يشمل الحريات السياسية والإعلامية والنقابية، واستقلال القضاء، واحترام حق الاختلاف، وإنصاف عائلات الشهداء والأسرى والجرحى، وتهيئة بيئة وطنية تتيح المشاركة دون قمع أو إقصاء.
ثامناً: إنشاء آلية وطنية ملزمة لمتابعة التنفيذ والمساءلة من خلال لجنة وطنية عليا تحدد المسؤوليات والمرجعيات، وتضع جدولاً زمنياً واضحاً لتنفيذ الاتفاق، وتوقّع القوى والفصائل على ميثاق شرف تلتزم به. ويجب نشر الاتفاق كاملاً أمام الشعب الفلسطيني، وإصدار تقارير دورية معلنة عن مستوى التنفيذ والعقبات التي تعترضه، وتحديد مسؤولية كل طرف عن الإخلال بالتزاماته، واعتماد مرجعية وطنية واضحة للفصل في الخلافات المتعلقة بالتنفيذ.
من الاتفاقات إلى الالتزام
إن حوار القاهرة أمام اختبار وطني لا يحتمل الفشل أو المماطلة: فإما أن يؤسس لمسار جاد ينهي الانقسام، ويعيد بناء النظام السياسي على قواعد الشراكة والديمقراطية والمساءلة، وإما أن يتحول إلى حلقة جديدة في مسلسل الاتفاقات المعطّلة.
لم يعد شعبنا يحتمل مزيداً من الانتظار، ولا يحتاج إلى وعود جديدة، بل إلى إرادة سياسية وقرارات ملزمة تضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الفئوية. ولن يُقاس نجاح الحوار بما يصدر عنه من بيانات، بل بما ينجزه على أرض الواقع، وبقدرته على استعادة ثقة الشعب بمؤسساته وقيادته.
فشعبنا الذي قدّم كل هذه التضحيات لا يستحق حواراً يطيل عمر الأزمة، بل نظاماً وطنياً ديمقراطياً يليق بتضحياته، وقيادةً تتحمل مسؤولياتها أمامه.
×
أخبار
تحقيق استقصائي: ضربات إيرانية دقيقة تمزق بنى تحتية بالخليج لتقوض أهداف الحرب الأميركية يائير غولان: نتنياهو تجاهل التحذيرات الأمنية قبل 7 أكتوبر وانشغل بالانقلاب القضائي «ذا نيويوركر»: ترامب يواجه احتمال خسارة الكونغرس وانحسار سلطته قبل الانتخابات النصفية عبري: إسرائيل ترفع التأهب تحسبًا للتصعيد وتستبعد ضربة لإيران قبل الانتخابات تحدياً لشروط بن غفير.. نتنياهو يعلن احتفاظ "الليكود" بوزارتي الجيش والأمن القومي إيفون عبد الباقي المرشحة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة: المنظمة فقدت بوصلتها.. والسلام هدفها الضائع الخزانة الأمريكية تقر عقوبات جديدة مرتبطة بإيران بينها بنوك عراقية ترامب يكشف كواليس حصول أميركا على الطائرة القطرية شاهين طالبت اتخاذ خطوات جدية لوقف المشاريع الاستيطانية ومخططات الضم لإقامة دولة فلسطين بعد رفض شعبي..ترامب يرفض البث الحي لإعدام نضال حسن عناصر من اليمين المتطرف يقتحمون مقر الحملة الانتخابية للقائمة المشتركة دبلوماسيان أمريكيان يحذران: تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل يهدد مكانتها الاستراتيجية ووجودها باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط