تاريخ النشر: 2026-09-23 | 19:12
تاريخ النشر: 2026-09-23 | 19:12
هندسة القمع وتآكل شرعية السلطة
يمر المشهد السياسي الإيراني بمنعطف تاريخي بالغ الدقة، تتداخل فيه الأزمات الاقتصادية الهيكلية مع تصاعد حركات الاحتجاج الشعبي. وفي هذا السياق، انعقد مؤتمر البرلمان البريطاني مؤخراً تحت عنوان "نحو إيران حرة: حقوق الإنسان والمساءلة والتغيير الديمقراطي"، مسلطاً الضوء على واقع الحريات المتدهور في إيران. وقد شهد المؤتمر مشاركة واسعة لبرلمانيين وخبراء، إلى جانب رسالة مركزية وجهتها مريم رجوي، زعيمة المعارضة الإيرانية.
تُظهر التحليلات الميدانية أن النظام الإيراني بات يعتمد بشكل مفرط على آلة الإعدامات والقمع المنهجي، لا سيما بعد انتفاضة يناير 2026، في محاولة يائسة لاحتواء غضب جيل شاب يرفض الاستبداد بكافة أشكاله. هذا الاعتماد المفرط على الحلول الأمنية يعكس عجزاً بنيوياً عن معالجة الأزمات المعيشية، مما يؤكد أن استمرار السلطة بات مرهوناً بمدى فاعلية قبضة الإكراه لا بقبول شعبي مفقود.
ثورة الجيل الجديد: سقوط رهانات الخوف
تتجسد أعمق تحولات المشهد الإيراني في صعود جيل جديد من الشباب والنساء، الذين استطاعوا كسر حاجز الخوف رغم تزايد عمليات الإعدام الجماعي. ويعتبر نموذج المعتقل السياسي مهدي خانكي، الذي أُعدم في 22 يوليو 2026 بعد اعتقاله في فبراير من العام نفسه، دليلاً قاطعاً على عمق الوعي النضالي لدى جيل الشباب المنخرط في صفوف منظمة مجاهدي خلق.
كما تعكس الرسائل الواردة من سجون طهران الكبرى، مثل سجن إيفين وقزل حصار، ولا سيما أصوات الشابات مثل أرغوان فلاحي وفروغ تقي بور، تحول السجون من مساحات للعزل إلى منصات إضافية للمقاومة المدنية. وتؤكد حملات مثل حملة "لا للإعدام"، التي تجاوزت أسبوعها السادس والثلاثين بعد المئة في عشرات السجون، أن السياسات القمعية باتت تولد نتائج عكسية تتمثل في تصلب الإرادة الثورية وتوسيع رقعة الرفض المجتمعي.
اقتصاد الحرب وتصدير الأزمات الداخلية
على الصعيدين الاقتصادي والجيوسياسي، يواجه النظام الإيراني مأزقاً مزدوجاً يتمثل في الانهيار المتواصل للعملة الوطنية وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين، مقابل تخصيص الجزء الأكبر من موارد الدولة لتمويل آلة الحرب الإقليمية والقمع الداخلي. وتشير التقارير المستقلة إلى أن طهران تعمد إلى افتعال التوترات الإقليمية، مثل التصعيد الأخير في مضيق هرمز، كمحاولة لتصدير أزماتها البنيوية نحو الخارج وتهيئة مناخات تبرر فرض المزيد من القيود الأمنية في الداخل.
وفي المقابل، تؤكد قوى المعارضة الديمقراطية، ممثلة في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، أن استراتيجية الشعب الإيراني تقوم على مبدأ السلام والحرية، رافضةً خيارات الحرب التي تسعى أطراف الاستبداد السابقة واللاحقة إلى فرضها. هذا التباين يضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليات أخلاقية وقانونية جسيمة لإنهاء سياسة غض الطرف عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
واجبات المجتمع الدولي ومسار العدالة الدولية
أكدت المداخلات البرلمانية والحقوقية في مؤتمر لندن أن سياسة الاسترضاء الغربي التاريخية لم تؤدِ إلا إلى تمادي السلطات في انتهاك حقوق الإنسان. وعليه، فإن التحول نحو سياسة دولية فاعلة يتطلب اتخاذ خطوات عملية تتجاوز لغة البيانات الدبلوماسية، وتتمثل أبرزها في:
ركائز الضغط الدولي الفاعل لتقويض آلة القمع
يكمن الجانب الأكثر أهمية لضمان فعالية الضغط الدولي في تجاوز مرحلة الإدانات اللفظية المتقطعة نحو إستراتيجية الربط المشروط الصارم، بحيث تتحول المصالح التجارية والدبلوماسية المباشرة لطهران إلى أدوات ضغط ميدانية لا تُمحى إلا بوقف الإعدامات المنهجية وإسقاط الحصانة عن رموز القمع. إن تفعيل آليات المحاسبة العابرة للحدود وتجفيف منابع الدعم المالي الذي يغذي الأجهزة الأمنية يمثلان معاً الرافعة الأساسية لكسر حلقة الإفلات من العقاب، ودعم المسار الديمقراطي الذي تقوده المقاومة المنظمة للشعب الإيراني.
إن التغيير الديمقراطي في إيران لم يعد مجرد طموح نخبوي، بل أصبح حتمية تاريخية يقودها شعب مصمم على انتزاع حريته وبناء جمهورية قائمة على فصل الدين عن الدولة والمساواة التامة، مما يستدعي من الديمقراطيات العالمية وقفة جادة لدعم هذا المسار الاستراتيجي.