تاريخ النشر: 2026-10-15 | 16:43
تاريخ النشر: 2026-10-15 | 16:43
حين يعلن وزير الخارجية المصرى د. بدر عبدالعاطى، استعداد القاهرة لتقديم كل أشكال الدعم التى تطلبها المملكة العربية السعودية، بما فيها الدعم العسكرى، فإن الرسالة تتجاوز حدود التضامن الدبلوماسى التقليدى، لتعكس موقفاً مصرياً واضحاً يعتبر أمن المملكة جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومى المصرى والعربى.
وفى توقيت تتصاعد فيه الاعتداءات الحوثية على الأراضى السعودية، تكتسب هذه الرسالة أهمية مضاعفة، باعتبارها تعبيراً عن إدراك القاهرة لخطورة المرحلة وضرورة مساندة الأشقاء فى مواجهة التهديدات التى تستهدف أمنهم واستقرارهم.
لكن الموقف المصرى لم يتوقف عند حدود التصريحات الرسمية. فقد جاءت الرسالة الشعبية أكثر دفئاً وعفوية، حين تحوّل منشور للسفارة السعودية فى القاهرة، دعت فيه مواطنى المملكة الذين تعطلت رحلاتهم الجوية إلى التواصل معها طلباً للمساعدة، إلى مظاهرة محبة مصرية استثنائية، تسابق خلالها المصريون إلى عرض استضافة أشقائهم السعوديين فى منازلهم، وتوفير احتياجاتهم، مؤكدين أن بيوتهم مفتوحة لهم، وأنهم ليسوا غرباء فى مصر، بل بين أهلهم وذويهم.
لم تكن تلك التعليقات مجرد مجاملات عابرة على مواقع التواصل الاجتماعى، بل عكست رصيداً متراكماً من العلاقات الإنسانية والاجتماعية بين الشعبين، صنعته سنوات طويلة من الإقامة والعمل والتداخل العائلى والثقافى، وتبادل المواقف فى أوقات الشدة.
كما كشفت عن حقيقة لا تستطيع حسابات السياسة وحدها تفسيرها: أن العلاقات المصرية السعودية ليست مجرد تفاهمات بين حكومتين، وإنما رابطة شعبية راسخة تتجاوز الأزمات وتمنح العلاقة بين البلدين قدراً استثنائياً من التماسك.
وتكتسب هذه المشاهد دلالتها الأعمق فى ظل التصعيد الذى تشهده المنطقة، حيث تتعرض المملكة لتهديدات تمس أمنها وسيادتها، بينما تتشابك المواجهة مع الحوثيين فى اليمن مع الصراع الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران، وتتصاعد المخاطر المحيطة بأمن الخليج والممرات البحرية وأسواق الطاقة.
فالمملكة العربية السعودية لا تواجه أزمة أمنية معزولة، بل تجد نفسها فى قلب مشهد إقليمى بالغ التعقيد، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع رهانات النفوذ، وتتحول فيه المنشآت الحيوية والممرات البحرية إلى أوراق ضغط قد تتجاوز تداعياتها حدود المنطقة. وأى اتساع للمواجهة لن يقتصر أثره على دول الخليج، بل سيمتد إلى حركة التجارة الدولية، وأمن الطاقة، والاقتصادات العربية، وفى مقدمتها المصالح المصرية المرتبطة باستقرار البحر الأحمر وقناة السويس.
وفى مثل هذه اللحظات، يصبح التضامن العربى ضرورة استراتيجية، لا مجرد موقف أخلاقى. فاستهداف أمن المملكة لا يمكن التعامل معه باعتباره شأناً سعودياً منفصلاً عن بقية الدول العربية، كما أن الحفاظ على استقرار اليمن ودعم دولته الوطنية ومؤسساته الشرعية يظلان عنصرين أساسيين فى أى مقاربة جادة لأمن الخليج والمنطقة.
غير أن الأزمة تطرح أيضاً تساؤلات مهمة بشأن مصداقية التحالفات الدولية وقدرتها على توفير الأمن والاستقرار. فالولايات المتحدة، بما تمتلكه من نفوذ عسكرى وسياسى، مطالبة بتحمل مسئولية أكبر فى احتواء تداعيات المواجهة ومنع اتساعها، بدلاً من ترك المنطقة تواجه وحدها نتائج تصعيد تتداخل فيه حسابات القوى الكبرى ومصالحها.
ولا يعنى ذلك أن الأمن العربى ينبغى أن يظل رهينة لمواقف واشنطن أو غيرها، بل إن اللحظة الراهنة تفرض الانتقال من التضامن اللفظى إلى بناء مقاربة عربية أكثر تماسكاً، تجمع بين التنسيق السياسى والدبلوماسى، وتعزيز القدرات الدفاعية، وحماية الممرات البحرية والمنشآت الحيوية، والعمل الجاد على تسوية الصراعات التى تهدد استقرار المنطقة.
لقد قدمت مصر، بموقفها الرسمى ومشاعر شعبها، نموذجاً واضحاً للتضامن مع المملكة العربية السعودية. وبين تصريح وزير الخارجية وعروض المصريين فتح بيوتهم للأشقاء السعوديين، تتجلى صورتان متكاملتان للعلاقة بين البلدين: موقف دولة تدرك أن أمن شقيقتها جزء من أمنها، وشعب يؤكد بالفعل أن روابط المحبة والمصير المشترك أعمق من أن تهزها الأزمات.
لكن تحويل هذا الرصيد السياسى والشعبى إلى قوة استراتيجية مستدامة يظل التحدى الأهم. فالأمن العربى لا تحميه المشاعر وحدها، مهما بلغت قوتها وصدقها، وإنما تحميه أيضاً الإرادة المشتركة، والتنسيق الفعال، والقدرة على المبادرة وصناعة القرار.
وفى منطقة تتغير موازين القوة فيها بسرعة، وتزداد فيها كلفة الاعتماد على حسابات الآخرين، تبدو الحاجة ملحة إلى نظام للأمن العربى يجعل التضامن الشعبى والسياسى أساساً لشراكة عملية قادرة على حماية المصالح المشتركة، ومنع اتساع الصراعات، وصون مستقبل المنطقة.