الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

التحديث والتنمية والعدالة الاجتماعية: إلهامات من الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد

التحديث والتنمية والعدالة الاجتماعية: إلهامات من الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد

تاريخ النشر: 2026-06-12 | 19:44

يشهد العالم في العقود الأخيرة تحولات عميقة على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، فرضت على الدول البحث عن نماذج تنموية جديدة قادرة على تحقيق التقدم والاستقرار والعدالة الاجتماعية في آنٍ واحد، وفي خضم هذه التحولات، برزت تجربة جمهورية الصين الشعبية بوصفها واحدة من أكثر التجارب التنموية تأثيراً في العصر الحديث، ليس فقط بسبب معدلات النمو الاقتصادي المرتفعة التي حققتها، بل أيضاً لما قدمته من رؤى نظرية وممارسات عملية في مجالات التنمية الشاملة ومكافحة الفقر وبناء التحديث الوطني.

في هذا السياق، تشكل أفكار شي جين بينغ حول الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد إطاراً فكرياً وسياسياً متكاملاً يسعى إلى الإجابة عن أسئلة التنمية والعدالة والتحديث في القرن الحادي والعشرين، وتنطلق هذه الأفكار من قراءة عميقة للواقع الصيني وخصوصياته التاريخية والحضارية والاجتماعية، مع الاستفادة من منجزات الحضارة الإنسانية والانفتاح على تجارب الشعوب المختلفة، بما يحقق التفاعل الخلاق بين الخصوصية الوطنية والانفتاح العالمي.

وقد أثبتت الصين، من خلال مسيرة الإصلاح والانفتاح التي امتدت لأكثر من أربعة عقود، أن التحديث ليس مساراً واحداً تحتكره دولة أو حضارة بعينها، بل هو عملية تاريخية متعددة المسارات، تتشكل وفقاً لظروف كل مجتمع واحتياجاته وإمكاناته، ومن هنا برز مفهوم "التحديث صيني النمط"، الذي يطرح رؤية مختلفة عن نماذج التحديث الغربية التقليدية، إذ يجمع بين النمو الاقتصادي السريع والتنمية الاجتماعية المتوازنة، وبين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وبين التقدم المادي والارتقاء الثقافي والأخلاقي والبيئي.

وتؤكد هذه الرؤية أن الإنسان يجب أن يبقى محور العملية التنموية وغايتها الأساسية، فالتحديث لا يقاس فقط بالأرقام والمؤشرات الاقتصادية، بل بقدرته على تحسين حياة المواطنين وتعزيز كرامتهم الإنسانية وتوسيع فرصهم في التعليم والعمل والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي والمشاركة في صنع مستقبلهم، ومن هذا المنطلق، وضعت الصين هدف "الرخاء المشترك" باعتباره أحد المرتكزات الرئيسة للتنمية في العصر الجديد، سعياً إلى تقليص الفجوات الاجتماعية وضمان توزيع أكثر عدالة لثمار التنمية.

ولعل الإنجاز الأكثر أهمية في التجربة الصينية يتمثل في المعركة التاريخية ضد الفقر، فقد نجحت الصين في القضاء على الفقر المدقع، وانتشال مئات الملايين من المواطنين من أوضاع الحرمان خلال فترة زمنية تعد قصيرة وفق المقاييس التاريخية، وقد اعتبرت مؤسسات دولية عديدة هذا الإنجاز واحداً من أعظم الإنجازات التنموية في التاريخ المعاصر، ولم يكن هذا النجاح نتيجة النمو الاقتصادي فحسب، بل ثمرة استراتيجية شاملة اعتمدت التخطيط طويل المدى، والاستثمار المكثف في البنية التحتية، وتطوير المناطق الريفية، وتحسين الخدمات العامة، وتوجيه الموارد نحو الفئات والمناطق الأكثر احتياجاً.

وتقدم التجربة الصينية في مكافحة الفقر جملة من الدروس المهمة للدول النامية، فهي تؤكد أن القضاء على الفقر ليس عملاً خيرياً أو سياسة ظرفية، بل مشروعاً تنموياً متكاملاً يتطلب إرادة سياسية واضحة، ومؤسسات فاعلة، ورؤية استراتيجية بعيدة المدى، وآليات تنفيذ ومتابعة قادرة على تحقيق الأهداف المرسومة، كما تؤكد أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تستقيم إذا بقيت فئات واسعة من المجتمع خارج دائرة الاستفادة من ثمار النمو الاقتصادي.

وتحمل أفكار شي جين بينغ في هذا المجال أبعاداً تتجاوز الحدود الصينية، إذ تدعو إلى بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية، يقوم على التعاون والمنفعة المتبادلة والتنمية المشتركة واحترام التنوع الحضاري، في مواجهة النزعات الأحادية وسياسات الهيمنة والصراعات الجيوسياسية التي تهدد الاستقرار العالمي، وفي عالم تتسع فيه الفجوات التنموية بين الشمال والجنوب، وتتفاقم فيه الأزمات الاقتصادية والبيئية والاجتماعية، تطرح التجربة الصينية أسئلة جوهرية حول إمكان بناء نظام دولي أكثر توازناً وإنصافاً.

ولا يعني ذلك أن التجربة الصينية قابلة للاستنساخ أو النقل الحرفي إلى مجتمعات أخرى، فلكل دولة ظروفها التاريخية والثقافية والسياسية الخاصة، غير أن القيمة الحقيقية لهذه التجربة تكمن فيما تقدمه من إلهامات ودروس عامة تتعلق بأهمية التخطيط الاستراتيجي، ودور الدولة التنموي، والاستثمار في الإنسان، والمواءمة بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، وبين الانفتاح على العالم والحفاظ على الاستقلال الوطني.

إن العالم اليوم بحاجة إلى إعادة النظر في العديد من النماذج التنموية السائدة، خاصة بعد الأزمات المالية والاقتصادية المتكررة، وتصاعد مستويات التفاوت الاجتماعي، وتراجع الثقة بقدرة الأسواق وحدها على معالجة الاختلالات البنيوية التي تعاني منها المجتمعات، وفي هذا السياق، تقدم الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد نموذجاً جديراً بالدراسة والنقاش، لا بوصفه وصفة جاهزة للتطبيق، بل باعتباره تجربة تاريخية حية تؤكد أن التنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية والتحديث الوطني يمكن أن تتكامل ضمن مشروع حضاري متماسك عندما تتوافر الرؤية والإرادة والقدرة على الإنجاز.

إن الطريق إلى التحديث لا يمر عبر التقليد الأعمى لتجارب الآخرين، بل عبر فهم الواقع الوطني، وتعبئة الطاقات البشرية، وتوجيه الموارد نحو أهداف تنموية واضحة، وبناء مؤسسات قادرة على تحويل الرؤى إلى سياسات والبرامج إلى نتائج ملموسة، وهذه هي الرسالة الأبرز التي تقدمها التجربة الصينية للعالم اليوم: أن التنمية ليست امتيازاً تحتكره قلة من الدول، بل حقاً مشروعاً لجميع الشعوب الساعية إلى التقدم والكرامة والازدهار، وأن الإرادة الوطنية المقترنة بالتخطيط العلمي والعمل المنظم قادرة على تحويل الأحلام الكبرى إلى حقائق راسخة.

كاتب وباحث، وعضو المكتب السياسي لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني

×
أخبار
تركيا وحرب إيران: الهندسة العسكرية لردع مزدوج وتبلور «القطب الإقليمي الثالث» و س ج: إدارة ترامب ستفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية أ ف ب: تحالف سبعة تنظيمات مسلحة معارضة للإطاحة بالحكومة في إثيوبيا بعد الهزيمة التاريخية في انتخابات ولايات ألمانية..ميرتس يتعهد بالمضي قدماً في الإصلاحات "ذا نيويوركر" تسلط الضوء على "قطر غيت" وشبكات النفوذ في مكتب نتنياهو صحيفة سويسرية: خطة ألمانية قد تؤدي لترحيل نصف مليون سوري تقرير: سيناريو استخباراتي يُثير مخاوف دول الخليج وتركيا حال سقوط نظام إيران عبد العاطي لوفد المنظمات اليهودية الأمريكية: نرفض أية محاولات لتهجير الفلسطينيين وثيقة سرية: روسيا وإيران توسعان قنوات مالية وتجارية للالتفاف على العقوبات رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل ميلوني تعلن إجراءات جديدة في المدارس الإيطالية بينها حظر النقاب هرتسوغ كان يعرف ما الذي يفعله عندما أصدر عفوًا عن عزاريا قبل أقل من 40 يومًا من الانتخابات  وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط