الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

البلطجة والهيمنة والانحياز والتواطؤ: السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط من ترومان إلى ترامب

البلطجة والهيمنة والانحياز والتواطؤ: السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط من ترومان إلى ترامب

تاريخ النشر: 2026-01-27 | 13:54

لم تكن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، منذ منتصف القرن العشرين، سياسة توازن أو بحث عن عدالة أو استقرار، بقدر ما كانت تجسيدًا صريحًا لمنطق القوة والهيمنة، وانحيازًا بنيويًا لصالح إسرائيل، وصل في محطات عديدة إلى حدّ التواطؤ المباشر مع الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني. فمنذ اللحظة الأولى لولادة إسرائيل، وحتى ذروة الانحياز في عهد دونالد ترامب، ظلّ الخيط الناظم واحدًا: حماية المشروع الصهيوني، ولو على حساب القانون الدولي وحقوق الإنسان ودماء المدنيين.
بدأ هذا المسار مع قرار الرئيس الأمريكي هاري ترومان الاعتراف السريع بإسرائيل عام 1948، في تجاهل فجّ للنكبة الفلسطينية وما رافقها من تهجيرٍ قسري ومجازر موثقة. لم يكن ذلك الاعتراف مجرّد إجراء دبلوماسي، بل تدشينًا لانحياز استراتيجي طويل الأمد، وضع الأساس لسياسة أمريكية ترى في إسرائيل «حليفًا استثنائيًا» فوق القانون والمساءلة.
خلال عقود الحرب الباردة، تعمّق هذا الانحياز، إذ جرى التعامل مع إسرائيل باعتبارها رأس حربة للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط. وبعد احتلال عام 1967، ورغم وضوح خرق إسرائيل لقرارات الأمم المتحدة، امتنعت واشنطن عن ممارسة أي ضغط حقيقي لإنهاء الاحتلال، بل تحوّل «الفيتو» الأمريكي في مجلس الأمن إلى أداة حماية سياسية دائمة، أُسقطت بها عشرات القرارات التي تُدين الاستيطان أو العدوان أو انتهاك حقوق الفلسطينيين.
في السبعينيات والثمانينيات، ورغم تغيّر الإدارات الأمريكية، لم يتغيّر جوهر السياسة. فبينما رُوِّج لاتفاقات سلام جزئية، ككامب ديفيد، جرى تفريغ القضية الفلسطينية من مضمونها، وإخراجها من بعدها العربي، دون منح الفلسطينيين أي ضمانات حقيقية للحرية أو الدولة أو العودة. ومع اجتياح لبنان عام 1982، وما رافقه من مجازر، اكتفت واشنطن بلغة دبلوماسية باردة، بينما استمر الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل بلا انقطاع.
أما مرحلة «عملية السلام» في التسعينيات، التي رعتها الولايات المتحدة، فقد كشفت زيف ادعاء «الوسيط النزيه». ففي ظل إدارة بيل كلينتون، وُقّعت اتفاقات أوسلو، لكنّها لم تُوقف الاستيطان، ولم تُنهِ الاحتلال، بل حوّلت السلطة الفلسطينية إلى كيان إداري محدود الصلاحيات، فيما بقيت إسرائيل المتحكم الفعلي بالأرض والحدود والموارد، برعاية أمريكية كاملة.
بعد أحداث 11 سبتمبر، ومع إدارة جورج بوش الابن، أُدرجت المقاومة الفلسطينية ضمن خطاب «الحرب على الإرهاب»، ما منح إسرائيل غطاءً إضافيًا لتصعيد عدوانها، وتجريم أي شكل من أشكال مقاومة الاحتلال، بينما أُهملت جذور الصراع المتمثلة في الاحتلال والتهجير والحرمان من الحقوق.
ورغم الخطاب «الناعم» لإدارة باراك أوباما، فإن جوهر السياسة لم يتبدّل. فقد وقّعت واشنطن في عهده أكبر حزمة مساعدات عسكرية لإسرائيل، واستمر تعطيل القرارات الدولية، وبقيت المساءلة مجرد شعار بلا أثر.
غير أن ذروة البلطجة السياسية والانحياز الفجّ تجلّت في عهد دونالد ترامب، الذي نقل السياسة الأمريكية من الانحياز الضمني إلى الشراكة العلنية مع اليمين الإسرائيلي المتطرف، بقيادة بنيامين نتنياهو. فقد اعترف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها، وشرعن الاستيطان، وأوقف تمويل الأونروا، وطرح ما سُمّي «صفقة القرن» التي أسقطت حق العودة، وكافأت الاحتلال، وأعادت تعريف السلام بوصفه استسلامًا فلسطينيًا.
ومع حرب الإبادة على قطاع غزة، لم يكن دعم ترامب لسياسات نتنياهو موقفًا سياسيًا عابرًا، بل شراكة كاملة في الجريمة. فالتغطية السياسية، والدعم العسكري، وتبرير القتل الجماعي للمدنيين، كلّها جعلت من الإدارة الأمريكية شريكًا مباشرًا في حرب الإبادة التي يتعرض لها أهل غزة، لا مجرد داعم من الخلف. إنّ الصمت أو التبرير في مواجهة هذا الدمار الشامل ليس حيادًا، بل تواطؤ أخلاقي وسياسي.
في هذا السياق، تكتسب مقولات البروفيسور جيفري ساكس أهمية خاصة، حين يؤكد أن السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط «تُصنع في تل أبيب أكثر مما تُصنع في واشنطن»، وأن اللوبي الصهيوني يملك نفوذًا واسعًا على الكونغرس الأمريكي، وعلى توجهات الإدارات المتعاقبة، بما يجعل الانحياز لإسرائيل جزءًا من بنية القرار السياسي الأمريكي، لا استثناءً طارئًا.
خلاصة القول: من ترومان إلى ترامب، لم تكن السياسة الأمريكية تجاه فلسطين وإسرائيل سياسة عدالة أو سلام، بل سياسة هيمنة وبلطجة وانحياز، استخدمت القوة والمال والفيتو لحماية الاحتلال، وتجاهلت معاناة شعبٍ بأكمله. وما لم يُعاد النظر جذريًا في هذا النهج، ستظل واشنطن طرفًا في الصراع، لا وسيطًا فيه، وشريكًا في الظلم، لا راعيًا للسلام.

×
أخبار
تركيا وحرب إيران: الهندسة العسكرية لردع مزدوج وتبلور «القطب الإقليمي الثالث» و س ج: إدارة ترامب ستفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية أ ف ب: تحالف سبعة تنظيمات مسلحة معارضة للإطاحة بالحكومة في إثيوبيا بعد الهزيمة التاريخية في انتخابات ولايات ألمانية..ميرتس يتعهد بالمضي قدماً في الإصلاحات "ذا نيويوركر" تسلط الضوء على "قطر غيت" وشبكات النفوذ في مكتب نتنياهو صحيفة سويسرية: خطة ألمانية قد تؤدي لترحيل نصف مليون سوري تقرير: سيناريو استخباراتي يُثير مخاوف دول الخليج وتركيا حال سقوط نظام إيران عبد العاطي لوفد المنظمات اليهودية الأمريكية: نرفض أية محاولات لتهجير الفلسطينيين وثيقة سرية: روسيا وإيران توسعان قنوات مالية وتجارية للالتفاف على العقوبات رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل ميلوني تعلن إجراءات جديدة في المدارس الإيطالية بينها حظر النقاب هرتسوغ كان يعرف ما الذي يفعله عندما أصدر عفوًا عن عزاريا قبل أقل من 40 يومًا من الانتخابات  وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط