الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

الانتخابات الفلسطينية: عندما تسبق معركة البقاء معركة الاقتراع

يتسارع الحديث في الدوائر الرسمية الفلسطينية عن اقتراب تحديد موعد إجراء الانتخابات الفلسطينية، سواء للمجلس الوطني الفلسطيني في الشتات أو للمجلس التشريعي داخل الأراضي الفلسطينية. وقد تناولتُ في مقال سابق بعنوان «الانتخابات الفلسطينية… حتى لا تكون الخطوة إلى الأمام خطوتين إلى الخلف» الأبعاد السياسية والقانونية لهذا التوجه، وما يثيره من أسئلة تتصل بمكانة دولة فلسطين، ووحدة النظام السياسي، ومخاطر العودة إلى منطق المرحلة الانتقالية في ظل الاحتلال والاستيطان والعدوان المستمر.
غير أن ثمة بُعدًا لا يقل أهمية، وربما يتقدم اليوم على غيره، وهو البعد الواقعي والإنساني: هل بلغت البيئة الفلسطينية، ولا سيما في قطاع غزة، مرحلةً من التعافي تؤهلها لإجراء انتخابات حرة ونزيهة؟ وهل تحقق الحد الأدنى من التعافي المجتمعي والمؤسسي الذي يجعل العملية الانتخابية فعلًا ديمقراطيًا حقيقيًا، لا مجرد استحقاق شكلي؟
فحرب الإبادة لم تنتهِ عمليًا، إذ لا تزال آثارها تتفاقم يومًا بعد يوم، وما تزال الاعتداءات والخروقات مستمرة، فيما يعيش مئات آلاف الفلسطينيين بين الخيام والأنقاض، وتعاني البنية التحتية من انهيار شبه كامل، وتواجه المؤسسات الصحية والتعليمية والخدماتية أوضاعًا غير مسبوقة. وفي مثل هذا الواقع، تصبح الأولوية بالنسبة للمواطن الحصول على الماء والغذاء والدواء والمأوى، ويغدو التفكير في حجز مكان في طابور مياه الشرب أكثر إلحاحًا من التفكير في حملة انتخابية أو الاصطفاف أمام صندوق الاقتراع.
فالانتخابات ليست مجرد إجراء إداري تحدده البنى الفوقية لتجديد الشرعيات، بل هي عملية سياسية ومجتمعية تقوم على حرية الاختيار، والمشاركة الواعية، وتكافؤ الفرص، وإمكانية وصول الناخب والمرشح إلى مراكز الاقتراع بأمان، وقدرة المؤسسات على إدارة العملية الانتخابية باستقلالية وكفاءة. وهذه الشروط لا تبدو متوافرة في ظل واقع ما زالت تحكمه آثار الحرب والدمار والنزوح والانقسام.
كما أن التعافي لا يقتصر على إعادة إعمار الحجر، بل يشمل إعادة بناء الإنسان أيضًا. فمجتمع فقد عشرات الآلاف من أبنائه، وتعرض لنزوح واسع، ويعيش أفراده صدمات نفسية واجتماعية عميقة، يحتاج إلى فترة من الاستقرار واستعادة الثقة والأمان، قبل أن يُطلب منه خوض استحقاق سياسي بحجم الانتخابات. فالديمقراطية تزدهر في بيئة يشعر فيها المواطن بأنه قادر على الاختيار بحرية، لا في بيئة يفرض فيها الخوف والجوع والنزوح أولويات مختلفة.
ثم إن إجراء الانتخابات يتطلب وجود حياة سياسية طبيعية: أحزاب قادرة على التواصل مع جمهورها، ووسائل إعلام تعمل بحرية، ومؤسسات مجتمع مدني تمارس دورها، وقضاءً يضمن النزاهة، وإدارةً عامة قادرة على تنفيذ القانون. وهذه جميعها تحتاج إلى وقت وجهد لإعادة بنائها واستعادة فاعليتها بعد ما أصابها من تدمير وتعطيل.
إن ذلك لا يعني الدعوة إلى تأجيل الديمقراطية أو تعطيل حق الشعب في اختيار ممثليه، بل على العكس، فالانتخابات تبقى استحقاقًا وطنيًا ودستوريًا لا غنى عنه. لكن نجاحها ونتائجها يرتبطان بقدرتها على التعبير الحقيقي عن الإرادة الشعبية، لا بمجرد الالتزام بموعد زمني قد تفرضه اعتبارات أو مراهنات سياسية لا تنسجم مع الواقع الميداني.
إن المطلوب اليوم هو إطلاق خطة وطنية شاملة للتعافي، تبدأ بوقف العدوان بصورة كاملة، وتأمين احتياجات الإغاثة العاجلة، والشروع في إعادة الإعمار، وعودة النازحين إلى مناطقهم، وإحياء المؤسسات، واستعادة الحياة الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية، وتهيئة المناخ السياسي القائم على الحريات العامة والشراكة الوطنية. وعندما تتوافر هذه الشروط، تصبح الانتخابات خطوة طبيعية تتوج التعافي الوطني، وتؤسس لمرحلة جديدة من الوحدة وإعادة بناء النظام السياسي.
كما أن توافر هذه الشروط يمنح القيادة الفلسطينية أساسًا قويًا في مخاطبة المجتمع الدولي، الذي يطالب بإجراء الانتخابات، للتأكيد أن الانتخابات ليست مجرد موعد إجرائي، بل عملية ديمقراطية تتطلب بيئة سياسية وأمنية وإنسانية مناسبة. وبالتالي، فإن مسؤولية المجتمع الدولي لا تقتصر على الدعوة إلى الانتخابات، وإنما تشمل أيضًا الضغط على الاحتلال لوقف عدوانه، وإنهاء إجراءاته التي تعيق إجراء انتخابات حرة وشاملة في جميع الأراضي الفلسطينية، وفي مقدمتها القدس وقطاع غزة.
فالشرعية لا تُبنى فقط بصندوق الاقتراع، وإنما أيضًا بقدرة المجتمع على ممارسة حقه في الاختيار بحرية وكرامة. وبين طوابير الخبز والماء والخيام، وطوابير الناخبين أمام صناديق الاقتراع، مسافة لا تُقاس بالوقت وحده، بل بمقدار ما ينجزه الفلسطينيون من تعافٍ وطني وإنساني يعيد للمواطن حقه في الحياة أولًا، ثم حقه في الاختيار.
فالشعوب لا تمارس حقها في الاختيار على أنقاض الحياة، بل بعد أن تستعيد الحد الأدنى من مقوماتها. وعندما تسبق معركة البقاء معركة الاقتراع، يصبح التعافي الوطني شرطًا لإنجاح الديمقراطية، لا عائقًا أمامها، وتغدو الانتخابات تتويجًا للصمود الوطني، لا محاولة لتجاوزه. 28-6-2026

×
أخبار
تباطؤ عبور السفن لمضيق هرمز مع استمرار التوتر في الشرق الأوسط تركيا وحرب إيران: الهندسة العسكرية لردع مزدوج وتبلور «القطب الإقليمي الثالث» و س ج: إدارة ترامب ستفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية أ ف ب: تحالف سبعة تنظيمات مسلحة معارضة للإطاحة بالحكومة في إثيوبيا بعد الهزيمة التاريخية في انتخابات ولايات ألمانية..ميرتس يتعهد بالمضي قدماً في الإصلاحات "ذا نيويوركر" تسلط الضوء على "قطر غيت" وشبكات النفوذ في مكتب نتنياهو صحيفة سويسرية: خطة ألمانية قد تؤدي لترحيل نصف مليون سوري تقرير: سيناريو استخباراتي يُثير مخاوف دول الخليج وتركيا حال سقوط نظام إيران عبد العاطي لوفد المنظمات اليهودية الأمريكية: نرفض أية محاولات لتهجير الفلسطينيين وثيقة سرية: روسيا وإيران توسعان قنوات مالية وتجارية للالتفاف على العقوبات رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل ميلوني تعلن إجراءات جديدة في المدارس الإيطالية بينها حظر النقاب هرتسوغ كان يعرف ما الذي يفعله عندما أصدر عفوًا عن عزاريا قبل أقل من 40 يومًا من الانتخابات  وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط