تاريخ النشر: 2026-09-01 | 14:24
الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة ...
تاريخ النشر: 2026-09-01 | 14:24
يثار جدل واسع في الساحة السياسية الفلسطينية حول جدوى الانتخابات التشريعية المقبلة، وما إذا كانت قادرة على إخراج النظام السياسي الفلسطيني، بمختلف قواه، من حالة المأزق والانسداد السياسي التي يعيشها منذ سنوات، أم أنها ستعيد إنتاج الأزمة السياسية نفسها بأدوات جديدة. وهو سؤال مشروع، بل وضروري، في ظل واقع فلسطيني شديد التعقيد، وتداعيات كارثية فرضت إعادة النظر في كثير من المسلمات السياسية التي حكمت المرحلة السابقة.
وتزداد مشروعية هذا السؤال في ظل غياب التوافق الوطني الكامل حول الانتخابات، واختلاف توجهات القوى السياسية بشأن شكل المشاركة والتحالفات وقواعد العملية الانتخابية. فإجراء الانتخابات بحد ذاته لا يمثل نجاحًا إذا انتهت إلى إعادة إنتاج المشهد السياسي ذاته، أو إلى إعادة توزيع النفوذ بين القوى التي أسهمت، بدرجات متفاوتة، في الوصول إلى حالة الانقسام والانسداد التي يعيشها النظام السياسي الفلسطيني. وفي ظل الكارثة الحالية، لا يبدو أن المجتمع الفلسطيني بحاجة إلى تجربة تعيد إنتاج الأشخاص والقوى والأدوات السياسية ذاتها، وإنما إلى مسار يفتح الباب أمام تغيير حقيقي.
ومع ذلك، فإن صعوبة الظروف لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر للتخلي عن الممارسة الديمقراطية. فالانتخابات تظل إحدى أهم الأدوات المتاحة لتجديد الشرعيات، وتمكين المواطن من اختيار ممثليه، وإعادة الاعتبار للمؤسسات السياسية والدستورية، وفتح الطريق أمام معالجة حالة الانسداد التي رافقت سنوات الانقسام. لكن أهمية الانتخابات لا تكمن في مجرد إجرائها، وإنما في قدرتها على إنتاج واقع سياسي جديد، واستعادة ثقة المواطن، ووضع النظام السياسي على مسار مختلف.
وهنا تختلف حسابات القوى السياسية. فهناك من ينظر إلى الانتخابات باعتبارها فرصة لإعادة بناء المؤسسات وتجديد الشرعيات وإعادة ترتيب العلاقة بين المجتمع والنظام السياسي على أسس ديمقراطية، بينما ينظر إليها آخرون باعتبارها فرصة لإعادة التموضع داخل بنية النظام السياسي واستعادة موقع سياسي فقدوه خلال السنوات الماضية. وبين الرؤيتين، يبقى السؤال الأهم: هل ستكون الانتخابات مدخلًا لإعادة بناء النظام السياسي، أم مجرد وسيلة لإعادة ترتيب موازين القوى داخله؟
المسألة لا تتعلق فقط بمن يحق له الترشح، وإنما بطبيعة الالتزام بقواعد اللعبة الديمقراطية. فمن حق كل قوة سياسية تؤمن بالتعددية والتداول السلمي للسلطة وتحترم القانون والمؤسسات أن تشارك في الانتخابات، وأن تعرض رؤيتها على المواطنين، وأن تحتكم إلى نتائج صناديق الاقتراع. لكن الديمقراطية لا يمكن اختزالها في يوم الانتخاب؛ فهي التزام يبدأ قبل الانتخابات ويستمر بعدها، ويتضمن احترام إرادة الناخب، وقبول النتائج، واحترام المؤسسات، والاحتكام إلى القانون، ورفض استخدام القوة أو السلاح في الصراع السياسي.
وهنا تبرز دروس التجربة الفلسطينية السابقة. فقد أثبتت السنوات الماضية أن إجراء الانتخابات دون وجود قواعد واضحة تحكم العلاقة بين القوى السياسية، ودون ضمانات لاحترام نتائجها ومؤسسات النظام السياسي، يمكن أن يحول الديمقراطية من وسيلة لبناء النظام إلى مدخل لأزمة جديدة. فالمشكلة لم تكن في الانتخابات وحدها، وإنما في الطريقة التي تعاملت بها القوى السياسية مع نتائجها ومع المؤسسات التي أفرزتها، وصولًا إلى الانقسام وتعطيل الحياة السياسية وفرض سلطة الأمر الواقع.
لذلك، فإن النقاش حول الانتخابات المقبلة يجب ألا ينحصر في سؤال: من سيشارك؟ بل ينبغي أن يتسع ليشمل سؤالًا أكثر أهمية: ما الضمانات التي تمنع تكرار تجربة الانقسام والانقلاب وتعطيل المؤسسات؟ فمن الصعب أن تكون الانتخابات مدخلًا للاستقرار إذا لم تترافق مع التزام سياسي واضح من جميع القوى باحترام نتائجها، وعدم استخدام القوة لتغيير موازين السلطة، وعدم تعطيل المؤسسات المنتخبة، وقبول مبدأ التداول السلمي للسلطة.
كما أن هذا الطرح لا يعني الدعوة إلى الإقصاء السياسي، ولا يعني مصادرة حق أي تيار في المشاركة، وإنما يعني أن المشاركة في النظام الديمقراطي يجب أن تكون مرتبطة بالالتزام بقواعده. فلا يمكن أن تكون الديمقراطية مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة، ثم يجري التخلي عن قواعدها عندما تتعارض نتائجها مع مصالح طرف سياسي أو حساباته.
فمن الطبيعي أن يكون التصويت العقابي حاضرًا في الانتخابات المقبلة، وأن يسعى الناخب الفلسطيني إلى محاسبة القوى السياسية على أدائها ومواقفها خلال السنوات الماضية. لكن التصويت العقابي، رغم أهميته، لا يكفي وحده لإحداث التغيير المطلوب؛ لأن تغيير الوجوه داخل المؤسسات لا يضمن بالضرورة تغيير قواعد اللعبة السياسية. المطلوب هو إعادة بناء الثقة بالنظام السياسي، ووضع قواعد تحمي العملية الديمقراطية من التوظيف الفئوي، وتمنع إعادة إنتاج الانقسام بأشكال جديدة.
إن الانتخابات المقبلة يجب ألا تكون مجرد مناسبة لتجديد الشرعيات أو إعادة توزيع المقاعد، وإنما فرصة لإعادة تأسيس الحياة السياسية الفلسطينية على قاعدة جديدة: المشاركة مقابل الالتزام، والسلطة مقابل المسؤولية، والانتخابات مقابل احترام نتائجها. فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى ديمقراطية تحمي نفسها، لا إلى ديمقراطية تُستخدم ضد نفسها. وتحتاج إلى نظام سياسي قادر على استيعاب الاختلاف والتعدد، دون أن يسمح بتحويل الخلاف السياسي إلى صراع على السلطة خارج المؤسسات.
خلاصة القول: لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: من سيفوز في الانتخابات؟ بل الأهم: أي نظام سياسي نريد أن تنتج عنه هذه الانتخابات؟ فإذا كانت الغاية هي الخروج من الانقسام والانسداد، فلا بد أن تكون الانتخابات بداية لمرحلة سياسية جديدة، لا بوابة لإعادة إنتاج الماضي. الديمقراطية لا تعني فقط الوصول إلى السلطة عبر الصندوق، وإنما تعني أيضًا احترام الصندوق بعد إعلان النتائج، واحترام المؤسسات، وقبول التداول السلمي للسلطة.
الموافقة على شروط النشر: 1
صورة شخصية للكاتب: received_messages_from_pages/2026-09-01/6a9672ab7bdb2-1788244651.jpg
ارفاق ملف:
روابط التواصل الاجتماعي: https://www.facebook.com/dr.mansour.abo.kareem/?locale=ar_AR