مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

الأرض الفلسطينية .. وتحديات ما بعد الاحتلال!

الأرض الفلسطينية .. وتحديات ما بعد الاحتلال!

تاريخ النشر: 2023-04-04 | 10:17

فتحي كليب
فتحي كليب

الأرض، بتاريخها وحاضرها، وما ترمز اليه من عنوان نضالي، هي واحدة من اهم القضايا التي يجمع عليها الشعب الفلسطيني بجميع فئاته وتياراته السياسية والشعبية، وقد احيا قبل ايام (30 آذار) ذكراها بفعاليات وطنية على امتداد كل تجمعاته، في تقليد سنوي درج عليه منذ العام 1976. ورغم ان تاريخ المناسبة يتعلق بعدد من البلدات الفلسطينية في الاراضي المحتلة عام 1948 التي كانت مستهدفة بمخطط التهويد والمصادرة الصهيوني (سخنين، عرّابة، دير حنا وغيرها)، الا انه تحول لما يشبه اليوم الوطني لشعب يتوزع اليوم على اربع مناطق جغرافية في العالم (الاراضي المحتلة عام 1948، الضفة الغربية وقطاع غزه، مناطق اللجوء، الدول العربية المضيفة وفي بلدان المهاجر الاجنبية)..

اكثر من اربعة عقود ونصف مرت على الانتفاضة الكبرى التي اعلنها الشعب الفلسطيني في الجليل والمثلث والنقب عام 1976 وسقط بنتيجتها عدد من الشهداء، الا ان الارض لا زالت هي محور الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، ومهما اختلفت التسميات والمخططات والمشاريع والاتفاقات، الا ان المستهدف دائما هو الارض الفلسطينية التي ستبقى تشكل عنوان المشروع الصهيوني وجوهره، إذ بدون احكام السيطرة عليها سيظل هذه المشروع عرضة للخطر.. لذلك يجهد قادة الحركة الصهيونية العالمية من اجل تسريع عملية السيطرة على القسم الاكبر من الارض الفلسطينية، خاصة تلك التي تحظى بأهمية دينية وتاريخية وفقا لأساطير ومزاعم وخرافات تلك الحركة.

تغيرت اشكال الصراع منذ النكبة وحتى اليوم، لكن الطابع الاجلائي الاحلالي ما زال هو الذي يميز الاحتلال الصهيوني عن بقية الاحتلالات التي شهدها التاريخ. فهو احتلال لم يكتف بالسيطرة على الارض فقط، بل ان اي ارض كان يتم السيطرة عليها بالضرورة ان يرافقها طرد منظم لسكانها. لذلك نجد ان عمليات الطرد والترانسفير والتهجير هي عناوين تبقى دائما ملتصقة بفكرة السيطرة على الارض.. ويمكن تلمس ذلك منذ نشوء الفكرة الأولى لتوطين اليهود في فلسطين، حيث كان يرافق عمليات الاستيلاء على الأراضي عملية تغيير ديموغرافي، وفي جميع حالات الاستيلاء والسيطرة على الارض كانت يستتبعها جلب يهود من مختلف أنحاء العالم ، ليحلوا مكان السكان الفلسطينيين.. وهذا ما يؤكد بأن المشروع الصهيوني اليوم بات يستهدف ليس الارض والشعب فقط، بل تهويد التاريخ والهوية الوطنية للشعب الفلسطيني.

الفكرة السابقة تلخص جوهر النكبة التي حصلت قبل وبعد العام 1948 وباعتبارها قضية ارض وشعب، إذ لم يكتف الاحتلال بالسيطرة على نحو 78 بالمائة من الارض الفلسطينية، بل لجأ الى ارتكاب العديد من المجازر وعمليات الارهاب على ايدي مجموعات ارهابية صهيونية منظمة ادت الى تهجير ما يزيد عن 800 الف لاجيء فلسطيني بعد ان تم تدمير مدنهم وقراهم تمهيدا لنسج رواية خيالية تنسجم وفكرة المشروع الصهيوني بأن اليهود نزلوا في ارض فلسطين التي كانت مجرد صحراء قاحلة خالية من السكان..

لسنا في وارد نقاش الاخطاء الكبرى التي ارتكبتها الحركة الوطنية الفلسطينية قبل وبعد العام 1948 لجهة اشكال التعاطي مع المشروع الصهيوني والاستعماري الغربي، لكن المؤكد ان الشعب الفلسطيني خاض نضالا مريرا واندلعت عشرات الانتفاضات: من انتفاضة العشرينات الى الانتفاضة الكبرى عام 1936 الى انتفاضة الحجارة عام 1987 ثم انتفاضة الاستقلال في العام 2000 وصولا الى انتفاضة الشباب في العام 2016، وجميعها تعبر عن معنى وطني واحد هو: تمسك الشعب الفلسطيني بأرضه وبحقوقه الوطنية ورفضه سياسة الامر الواقع الذي ما زالت تمارسها اسرائيل منذ القرن الماضي وحتى اليوم..

ان النظرية التي حملت المشروع الصهيوني منذ انطلاقته لن تكتمل حلقاتها الا بالاجهاز على اصحاب الارض الحقيقيين والذين سيبقى وجودهم ونضالهم ورفضهم الاعتراف بالواقع الاحتلالي يؤرق الكيان طالما ان قضيتهم قوية ونابصة بقوة الحق والتاريخ. ويمكن ملاحظة مسألة غاية في الاهمية، انه رغم النجاحات الكبيرة التي حققها المشروع الصهيوني منذ بدء تطبيقاته الميدانية، الا ان هذا المشروع  يواجه اليوم اربعة تعقيدات - تحديان لم ينجح في تجاوزها، رغم ارتكابه لمئات الجرائم والمجازر ضد الشعب الفلسطيني، وهي: 

اولا: تكريس وجود ما يسمى الشعب اليهودي وما يستتبع ذلك من حتمية وجود ارض لهذا الشعب يجري نسج روايات عديدة لتأكيد احقيته بأرض فلسطين، حتى لو كانت روايات كاذبة، ودعمها بقوانين تشرع وجود الاحتلال. وهذا ما هدف اليه "قانون الدولية القومية لليهود في اسرائيل"، الذي سنّه الكنيست الاسرائيلي في تموز عام 2018، وهو قانون لا يعترف سوى"بالشعب اليهودي" فوق ارض فلسطين. ومن يتأمل قليلا في النصوص والمفردات التي حملها هذا القانون سيجد ان هاجسا يؤرق زعماء الحركة الصهيونية حول كيفية تكريس "الشعب اليهودي" حقيقة قائمة الى جانب شعوب الارض. لهذا نجد ان مصطلح "القومية" يشكل قاسما مشتركا بين وعد بلفور وقانون القومية وخطة خارطة الطريق (2002) ومواقف الادارات الامريكية ورؤسائها المتعاقبين وعشرات المواقف سعت جميعها الى تثبيت فكرة القومية والشعب اليهودي باعتبار هاتين الفكرتين امرا طبيعيا وحقوقا مكتسبة يجب على العالم الاعتراف بهما.. وهذا سر سبب اصرار اسرائيل على طرح مفهوم "يهودية الدولة" وتكتيل مواقفة دولية مؤيدة وداعمة لهذا المصطلح.

ان نظرية "ارض بلا شعب لشعب بلا أرض" ستبقى مسألة راهنة بالنسبة للمشروع الصهيوني، ولن يكون لها اي مضمون فعلي ما لم تترافق مع مخطط التخلص من شعبها. فالسيطرة على الارض تبقى محفوفة المخاطر وغير مضمونة التطبيق النهائي، طالما ان الملايين من اللاجئين الفلسطينيين ما زالوا يتمسكون بأرضهم التي هجروا منها عنوة عام1948 بقوة الارهاب والقتل من قبل العصابات الصهيونية التي كانت مدعومة اما من قبل سلطات الانتداب البريطاني او الحكومة الصهيونية واجهزتها الامنية والعسكرية.. لذلك يبقى مشروع تهجير اللاجئين الى المنافي البعيدة في قارات العالم اولوية بالنسبة للمشروع الصهيوني..

ثانيا: التشكيك بوجود شعب فلسطيني، وهذا العنوان ايضا هو الركن الآخر في النظرية الصهيونية (ارض بلا شعب لشعب بلا ارض) التي تشكل قاسما مشتركا لجميع الاحزاب الاسرائيلية، وما تحدث به سموتريتس قبل ايام لا يمثل موقفه وحده بل هو الخلفية الفعلية للبرامج السياسية لجميع مكونات الحركة الصهيونية. 

وبالعودة مرة اخرى لقانون القومية، فقد طرح هذا القانون العنصرية اليهودية بشكلها المؤسسي ووضعها بشكل رسمي كسياسة للدولة ومؤسساتها سواء في مواجهة الآخر او في مواجهة من يصنفون كمواطنين اسرائيليين من غير اليهود. وهو بالتالي يستهدف الفلسطينيين، ليس كشعب فقط، بل كقضية سياسية وقانونية، ويقفل الباب امام اية مطالب فلسطينية قادمة لا من قبل فلسطينيي عام (1948) حيث جعل القانون منهم مجرد رعايا لا حقوق اصلية لهم بل مجرد مطالب انسانية، ولا من قبل اللاجئين الذين باتوا، وفقا للقانون، غرباء لا صلة تربطهم بأرضهم وممتلكاتهم وبحقهم التاريخي في فلسطين..

ثالثا: التقليل من شأن النكبة وما تركته من تداعيات لا زالت حاضرة بكل تفاصيلها، وهذا ما يفسر القانون الذي سنه الكنيست ايضا عام 2011 بتجريم كل من يعمل على احياء النكبة او يرفع من شأنها، او يشكك في يهودية او ديمقراطية اسرائيل. وهنا اهمية اعتماد الجمعية العامة للامم المتحدة نهاية عام 2022 لقرار يتم فيه احياء ذكرى النكبة بشكل سنوي، بما يكرس الرواية الفلسطينية باعتبارها الرواية الصحيحة التي تتطلب جهدا سياسيا وفكريا ودعاويا فلسطينيا ضخما من اجل تكريسها كواقع حقيقي لدى الرأي العام الدولي، وما يرتبه ذلك من مسؤوليات سياسية وقانونية واخلاقية يتحملها الاحتلال الاسرائيلي.

رابعا: تصفية حق العودة عبر ضرب مرتكزاته السياسية والقانونية الاساسية. وتأخذ هذه العملية ثلاثة مسارات مترافقة ومتزامنة مع بعضها البعض:

1) استهداف وكالة الغوث من خلال تكثيف سياسات التحريض والابتزاز المالي والسياسي والضغط على الدول المانحة لتخفيض موازناتها بما يجعلها اسما بلا اي مضمون خدماتي.

2) تدمير المخيمات الفلسطينية باعتبارها الوعاء النضالي الذي يمارس من خلاله اللاجئون حقهم بالتعبير عن هويتهم الوطنية ويخوضون نصالهم من اجل حقهم بالعودة. وهذا ما يفسر اسباب تدمير المخيمات في قطاع غزه، لبنان وسوريا والضغط الذي ما زال متواصلا من اجل تهجير اللاجئين وتخفيف الكتلة البشرية الفلسطينية في المخيمات، الامر الذي يضعف تماسكها الوطني والاجتماعي ويجعل امر استهدافها سهل المنال.

3) التشكيك بأعداد اللاجئين المسجلين في قيود وكالة الغوث والذين يزيد عددهم عن ستة ملايين ونصف المليون، وتلعب الولايات المتحدة دورا محوريا في هذا المشروع لجهة الضغط على وكالة الغوث لاعادة تعريف اللاجئين بما يخرج الملايين من دائرة التعريف المعتمد ويجعله محصورا فقط بمن ولد في فلسطين عام 1948 وما قبل، ولهذه الغاية يجهد اعضاء في الكونغرس الامريكي لاعتماد قوانين تعيد تعريف اللاجئين الفلسطينيين بما ينسجم والمشروع الاسرائيلي..

إن فكرة النكبة كانت وما زالت تستند الى معادلة الارض والشعب معا، أي السيطرة على الارض والقضاء على الشعب. ونظرية السيطرة على الارض في الفكر الصهيوني لا معنى حقيقيا لها طالما هناك شعب لا زال يطالب بأرضه. وهنا الانجاز الكبير الذي حققه البرنامج الوطني المرحلي بتوحيد كل فئات وتيارات الشعب الفلسطيني الذي كان عرضة للذوبان والتصفية، وهذه الوحدة تتجسد في يوم الارض وفي رفض القوانين العنصرية لدولة الابارتهايد والترانسفير الصهيونية، التي لا تسرق الحق من اصحابه فقط، بل وتعيد تقديم الرواية التاريخية بشكل مقلوب.. فالارض يهودية لا مكان فيها لغير اليهودي حتى اولئك الذين يحملون جنسية اسرائيل. والفلسطيني في هذه الارض ليس سوى عابر سبيل، رغم تأصله فيها لأكثر من خمسة آلاف سنة من التاريخ المعلوم..

حين نذكر الارض يتبادر سريعا الى الاذهان قضيتان: الاولى هي حق وواجب الشعب الفلسطيني ممارسة اشكال المقاومة من اجل استعادتها. والثانية حق اصحابها بالعودة اليها ورفض الاعتراف بالواقع الذي يسعى الاحتلال الى تأبيده بجعل اللاجئين غرباء الى الابد مستقبلهم النهائي في منافي اللجوء والشتات.

لذلك بات مطلوبا التسلح بالمعطيات الرقمية وبلجان الاختصاص في مواجهة المشروع الاسرائيلي الامريكي وخطره على قضية اللاجئين وحق العودة بكافة اركانه، وهنا تكمن اهمية صياغة استراتيجية عمل وطني على مساحة كل تجمعات الشعب الفلسطيني للدفاع عن حق العودة وعن وكالة الغوث والمخيمات ومكانة اللاجئ باعتبارها تجسد مكانات ذلك الحق ودحض ما تتعرض له الاونروا من تحريض عبر التواصل مع الامم المتحدة والدول المانحة لتوفير حماية سياسية ومالية دولية تمكنها من اداء وظيفتها بما يجعلها قادرة على الاستجابة للاحتياجات المعيشية والحياتية المتزايدة للاجئين..

×
أخبار
سوريا.. سماع دوي انفجارات في غرب دمشق اليونيسف: قوات الاحتلال قتلت أكثر من 340 طفلا في غزة منذ أكتوبر الماضي التحول الهيكلي في الحزب الديمقراطي يتجاوز نتنياهو ليطال العلاقة مع إسرائيل صحفية “واشنطن بوست” تروي تفاصيل اعتداء المستوطنين عليها في رام الله محافظ سلطة النقد: إعادة إعمار غزة يجب أن تقودها المؤسسات الفلسطينية بوتين يؤكد ضرورة استمرار الضربات ضد المجمع الصناعي العسكري الأوكراني الشاباك يصادق على 3 آلاف عامل من غزة لبناء "رفح الخضراء" حملة ضد سارة هيلم زوجة مستشار الأمن القومي البريطاني بسبب فلسطين نتنياهو يرد على تصريحات أوباما": لسنا مستعمرين كما الهولنديين استطلاع: اتساع ظاهرة الرقابة الذاتية حول حرب غزة والانتقادات لإسرائيل في الخطاب العام الأمريكي تحقيق جنائي في روما يطال كبار القادة الإسرائيليين بتهم "الاختطاف والتعذيب" "نيويورك تايمز": الصراع بين العلمانية والثيوقراطية يضع مستقبل الهوية الإسرائيلية أمام خيار حاسم تحذير أمريكي رفيع من "أخطر تحالف منذ 1945".. صواريخ الحوثيين المتقدمة تضع الشرق الأوسط بمرمى النيران مصر تستدعي القائم بالأعمال الكولومبي في القاهرة للاحتجاج على افتتاح بلاده سفارتها في القدس المحتلة تقرير: «مفارقة الثروة» تحدّ من الفاعلية العسكرية للجيوش الخليجية أمام إيران وثيقة مكتب نتنياهو تكشف مسؤولية الحكومة عن كارثة 7 أكتوبر وتفند روايته الرسمية استشهاد مواطن برصاص جيش الاحتلال شمال قطاع غزة ليبرمان يهاجم آيزنكوت ويفكك مساعيه للتحالف مع نتنياهو.. ودعم أميركي ودولي لحكومة إسرائيلية موسعة غزة: معدلات سوء التغذية والتجويع بلغت مستويات كارثية والأطفال وكبار السن الأشد تأثرا رئيس وزراء قطر في لبنان: اتفقنا على وضع إطار شامل للتعاون في مجال الطاقة تقرير: رسائل مسرّبة تكشف صلات رئيس الاستخبارات الألمانية الأسبق بالرئيس الأسبق للموساد إعادة التفكير في العلاقات الدفاعية.. إسرائيل تتطلع للتحول من التبعية إلى الشراكة مع أمريكا بعد حديثه عن الحق التاريخي الفلسطيني..ج.بوست تصف أوباما بـ "مُفرّخ معاداة السامية" وزراء خارجية 19 دولة يدينون افتتاح سفارة كولومبيا في القدس: باطل فرق الإرهاب الاستيطانية تهاجم مركبات وأملاك فلسطينية و"تطارد" اشجار الزيتون عبري: نتنياهو رفض اغتيال قادة حماس جوا في غزة وبحث تسهيلات اقتصادية لحماس استطلاع: تعادل الائتلاف الحاكم والمعارضة الصهيونية.. والقوائم العربية الحاسمة دمشق ترد على نتنياهو بعد حديثه عن دروز سوريا.. ولم تنف اتصاله بالشرع ترامب يلوّح بضربة جديدة ضد منشآت إيران النووية.. "أم القنابل" على الطاولة ولا ثقة بنتنياهو الصين تحث إسرائيل على وقف "البناء القسري" للمستوطنات..ومنع الكارثة في غزة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط