الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

الأبائية وإعادة إنتاج الشرعية: قراءة في النموذج الفصائلي الفلسطيني

الأبائية وإعادة إنتاج الشرعية: قراءة في النموذج الفصائلي الفلسطيني

تاريخ النشر: 2026-05-14 | 11:14

يمكن فهم الأبائية هنا بوصفها بنية معرفية تُعيد تشكيل علاقة الإنسان بالزمن، بحيث لا يعود الماضي مجرد طبقةٍ من الخبرة التاريخية، بل يتحول إلى معيار متعال يسبق السؤال نفسه، ويربط الصواب في الامتداد الأبائي. إنها ليست مجرد وفاء للتاريخ، بل نظامٌ خفي لإعادة إنتاج الشرعية عبر الامتداد الرمزي، حيث يُستبدل البرهان بالانتماء، ويُستبدل الفهم بالتماهي مع سردية مكتفية بذاتها اكتست بالقداسة.
في هذا السياق، يتغير مركز السؤال ذاته: من سؤال باحث عن الحقيقة إلى سؤال خائف من فقدان المعنى. وهنا تكمن إحدى أخطر عِلل العقل الجمعي؛ إذ لا يعود معيار الصواب قائمًا على قوة البرهان، بل على مقدار الاقتراب من "الأصل المؤسِس"، سواء تجسد هذا الأصل في القبيلة، أو التاريخ النضالي، أو العقيدة التنظيمية، أو الرمزية الثورية.
يتحول الموروث، في هذا الأفق، من خبرةٍ تُفهم إلى سلطة تُعبد، تُقيم حصنًا نفسيًا ضد السؤال، وسورًا اجتماعيًا يمنع تسرب الحقيقة إلى العقول، فيهيمن "السؤال الخائف" المتردد..
ومع هذا التحول، لا يُقمع السؤال النقدي دائمًا بالقوة المباشرة، بل يُحاصر نفسيًا وأخلاقيًا، بحيث تبدو المراجعة خيانة رمزية، لأنّ نقد السردية لا يُفهم بوصفه نقدًا للتنظيم فقط، بل بوصفه تصدعًا في الهوية التي تماهى معها الفرد نفسيًا ووجوديًا. وهكذا يتشكل "السؤال الخائف": سؤالٌ لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن صيغة آمنة لا تصطدم بالسردية المهيمنة.
ومن هنا تتجلى مفارقة الوعي السياسي في كثير من البُنى العربية: أنْ يتحول التاريخ من مجال للفهم إلى آلية لإغلاق الفهم، وأنْ تتحول الذاكرة من طاقة نقدية إلى سور يحمي اليقين المغلق. فالماضي لا يبقى حدثًا منتهيًا، بل يصبح بنية حاضرة تُعيد تعريف الحاضر وتفرض عليه حدود التفكير الممكن.
في اللحظة العربية الراهنة، تتخذ الأبائية شكلًا بنيويًا في إنتاج الشرعية السياسية والاجتماعية، حيث تُستبدل معايير الكفاءة والبرهان بمعايير الامتداد والتماثل مع الأصل المؤسِس. وبهذا المعنى، لا تُقاس الشرعية بقدرة البنية السياسية على التجدد، بل بقدرتها على إثبات اتصالها الرمزي بالمصدر الأول، حتى لو أصبح هذا الاتصال ذاته عائقًا أمام التكيف مع الواقع.
وعندما تنتقل هذه البنية من مستوى الوعي إلى مستوى التنظيم السياسي، فإنها تعيد تشكيل مفهوم القوة نفسه. فالتنظيم لا يعود مجرد أداة تمثيل سياسي، بل يتحول إلى حامل لهوية كلية تُشتق منها الشرعية وتُستمد منها الطاعة. وهنا تتشكل "القوة المغلقة"، حيث يصبح النقد الداخلي تهديدًا للهوية لا جزءًا من تطويرها، ويغدو الحفاظ على التماسك النفسي للتنظيم مقدمًا على مراجعة فاعليته السياسية.
وهذه البنية المغلقة لا تنشأ من الداخل وحده، بل تتغذى أيضًا على بيئة صراعية تُكافئ قابلية التوقع وتُعاقب التحولات غير المنضبطة. ففي الحالة الفلسطينية، تستفيد إسرائيل استراتيجيًا من بقاء البُنى الفصائلية داخل أنماط شرعية مألوفة، حيث تصبح القيادات التاريخية معروفة المسارات وقابلة للاحتواء أو الاستهداف أو التفاوض ضمن خرائط إدراك مستقرة. أما التحولات الجيلية العميقة وإنتاج قيادات غير متوقعة، فتمثل حالة إرباك لبنية السيطرة ذاتها، لأنها تُدخل فاعلين لا يعملون ضمن القواعد الإدراكية المعتادة للصراع. ومن هنا، لا تبدو الأبائية مجرد أزمة داخلية، بل أيضًا نتيجة ضغط خارجي يدفع التنظيمات إلى التشبث بالتماسك والهويات الصلبة خوفًا من التفكك أو الاختراق.
في السياق الفلسطيني، تظهر هذه الديناميكية بوضوح داخل البُنى الفصائلية التاريخية. ففي حركة فتح، يتجلى الأمر في مستويين متداخلين: أولهما تحويل الرصيد التاريخي للحركة من مصدر إلهام إلى معيار يحدد حدود الممكن السياسي، ومصدر شبه حصري للشرعية، بحيث يُنظر إلى القيادة بوصفها امتدادًا للتأسيس أكثر من كونها تعبيرًا متجددًا عن الإرادة السياسية. وثانيهما ميل البنية التنظيمية إلى إعادة إنتاج النخب ذاتها، بما يجعل المراجعة الجيلية تبدو أحيانًا كأنها مساسٌ بالرمزية التاريخية للحركة نفسها. ومن هنا يكتسب المؤتمر الثامن دلالته الأعمق: ليس باعتباره حدثًا تنظيميًا فقط، بل بوصفه اختبارًا لقدرة الحركة على تحويل تاريخها من مصدر حصانة إلى مصدر قابلية للتجدد.
أمّا في حركة حماس، فتظهر الإشكالية في توتر مختلف بين بنية عقائدية تمنح التنظيم تماسكه الصلب، وبين ضرورات الواقع السياسي والعسكري التي تفرض أشكالًا من إعادة التنظيم وإعادة إنتاج الشرعية الداخلية. وهنا لا يكون السؤال متعلقًا فقط بآليات القيادة أو الانتخابات، بل بطبيعة العلاقة بين "الثبات: الذي يحفظ الهوية، و"الحركة" التي تضمن الاستمرار. غير أنّ هذه المرونة لا تُفهم بوصفها قطيعة مع الأصل، بل بوصفها إعادة تأويل له. فكل تجديد داخل البنية التنظيمية يظل مضطرًا للمرور عبر السردية المؤسِسة لا القطيعة معها، بما يجعل التغيير نفسه محكومًا بسقف الامتداد الرمزي حتى وهي تتغير شكليًا.
في الحالتين، تتكشف الإشكالية المركزية: كلما تعمق اعتماد التنظيمات السياسية على السردية المؤسِسة بوصفها مصدرًا نهائيًا للشرعية، تقلصت المسافة بين الذاكرة والسلطة، وأصبح التاريخ ليس ما حدث فعلًا، بل ما يجب أنْ يستمر في تعريف الحاضر. وهنا تتقاطع الأبائية بوصفها نمطًا ذهنيًا مع منطق القوة غير الدولتية بوصفه نمطًا تنظيميًا، حيث يُعاد إنتاج الشرعية خارج إطار الدولة، ولكن أيضًا خارج آليات المراجعة المستمرة.
ومن هنا، تتخذ "اللحظة العربية الفاصلة" معناها الأعمق: إنها ليست مجرد لحظة صراع سياسي، بل لحظة اختبار لعلاقة المجتمعات العربية بالزمن ذاته. فإمّا أنْ يبقى الماضي دائرة مغلقة يُعاد فيها إنتاج المعنى نفسه بأشكال مختلفة، أو يتحول إلى مادة مفتوحة للنقد وإعادة التأسيس. وفي هذا التوتر لا يُختبر الماضي بقدر ما تُختبر قدرة الحاضر على التحرر من هيمنته دون السقوط في إنكاره.
وهكذا لا يعود السؤال الحقيقي: كيف تُنتَج الشرعية؟ بل: هل تستطيع البُنى السياسية العربية سيّما الفلسطينية أنْ تؤسس لشرعية تستمد بقاءها من القدرة على المراجعة، لا من وهم الاستمرارية المقدسة؟

×
أخبار
تركيا وحرب إيران: الهندسة العسكرية لردع مزدوج وتبلور «القطب الإقليمي الثالث» و س ج: إدارة ترامب ستفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية أ ف ب: تحالف سبعة تنظيمات مسلحة معارضة للإطاحة بالحكومة في إثيوبيا بعد الهزيمة التاريخية في انتخابات ولايات ألمانية..ميرتس يتعهد بالمضي قدماً في الإصلاحات "ذا نيويوركر" تسلط الضوء على "قطر غيت" وشبكات النفوذ في مكتب نتنياهو صحيفة سويسرية: خطة ألمانية قد تؤدي لترحيل نصف مليون سوري تقرير: سيناريو استخباراتي يُثير مخاوف دول الخليج وتركيا حال سقوط نظام إيران عبد العاطي لوفد المنظمات اليهودية الأمريكية: نرفض أية محاولات لتهجير الفلسطينيين وثيقة سرية: روسيا وإيران توسعان قنوات مالية وتجارية للالتفاف على العقوبات رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل ميلوني تعلن إجراءات جديدة في المدارس الإيطالية بينها حظر النقاب هرتسوغ كان يعرف ما الذي يفعله عندما أصدر عفوًا عن عزاريا قبل أقل من 40 يومًا من الانتخابات  وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط