(( أبو علي شاهين )) بين الذكرى والذاكرة
تاريخ النشر : 2013-12-31 04:22

تميزت انطلاقة حركة فتح التي أحياها شعبنا الفلسطيني في الفاتح من يناير ( 2013 ) في قطاع غزة ، بأنها كانت الأولي بعد حرمان الغزيين القسري من إحيائها جراء الإرهاب المنظم الذى تمارسه مليشيات حماس التي تتعامل فعليا بإعتبار حركة فتح تنظيم محظور في غزة منذ الانقلاب الاسود 2007 على الشرعية الفلسطينية ، حيث تم الاتفاق في حينه على أن تقوم فرقة العاشقين الفلسطينية بإحياء المهرجان في زيارتها الاولى للقطاع ، كذلك كانت هذه المناسبة للمرة الأولي بعد غياب سنوات طويلة هي عمر الانقلاب الحمساوي الدموي ، لكن المشهد اللافت في مهرجان الانطلاقة الذي حطم كل التوقعات من حيث المشاركة الجماهيرية أن الحفل الشعبي العظيم شهد حضور مميز من القيادات الفتحاوية البارزة ، كان أهمها وجود القائد المناضل عبد العزيز شاهين (أبو علي) على رأس المشاركين وأصر أن يكون في هذه المناسبة العظيمة بين أبناء شعبه رغم مرضه الشديد والارهاق والتعب الذى تغلب عليه الرمز والمعلم ((أبو علي شاهين)) بإرادة فولاذية لا تلين ، خاصة أن إحياء ذكرى الانطلاقة تصادف مع عودته للمرة الأولى إلى قطاع غزة منذ حدوث الانقلاب الدموي .

لا شك أن الاحتفال الحاشد أظهر بقوة حجم التأييد الجارف لحركة فتح وأكثر من ذلك كان مؤشر شديد البلاغة بما لا يدع مجالاً للشك بتصاعد قوة الرفض الجامح لاستمرار القسمة على الساحة الوطنية وبشكل خاص رفض استمرار سلطة الانقلاب وممارساتها الارهابية بحق الوطن والمواطن ، حيث كانت هذه الرسالة تعبر عن موقف الجماهير التي خرجت عن بكرة أبيها وملأت ساحة السرايا والشوارع المحيطة بها وفرشت السماء باللون الأصفر والرايات الفتحاوية والاعلام الفلسطينية بينما ارتفعت أصوات الأغاني الفتحاوية والثورية من كل حدب وصوب لتدلل على نجاح هذا الحفل الوطني غير المسبوق من حيث ضخامة الحشد والمشاركة الشعبية من كل الفئات والشرائح الاجتماعية والعمرية ،لكن حالة الكبت والقمع والاستبداد الذي عاشه أبناء غزة كان العامل الاهم في دفع الجمهور للخروج بهذه الكثافة للتعبير عن موقف وطني صادم لحركة حماس والعالم أجمع بمدى الرفض الفلسطيني لاستمرار الانقلاب الاسود ، مع العلم بأن القيادة الفلسطينية كانت أيضا مصابة بالذهول لدرجة الارتباك أمام عظمة الموقف الذى رسمه الغزيون أمام كل وسائل الاعلام العالمية لدرجة أن كل الاجهزة الاستخبارية في العالم المعنية بالموضوع الفلسطيني أيضا كانت تشعر بمفاجأة صاعقة دفعت بهم لإعادة حساباتهم من جديد في ضوء ما جرى !!!

مضت سنة كاملة علينا وتاريخ الانطلاقة الفتحاوية يعود من جديد ، ولكنها المرة الاولى التي لا يكون فيها القائد والمعلم الرمز ((أبو علي شاهين)) بين ظهرانينا يبعث فينا الامل والارادة الدافعة ، لقد غيب سلطان الموت القائد ((أبو علي)) بعد صراع طويل مع المرض دون أن يستسلم حتى اللحظة الاخيرة من حياته ظل يداعب الامل في عيون كل من يراه ، يتحدث عن فتح ويؤكد بأننا للنصر أقرب من أي وقت مضى ، فهذه عقيدة الثائر الحقيقي ومسحة الايمان الاكيد والراسخ التي تقود المناضل نحو إنجاز الهدف وترجمة الحلم الثوري إلى واقع ملموس ، نعم غاب ((أبو علي شاهين)) الجسد ليبقى لنا من الوصايا والمآثر النضالية والاخلاقية ما نعتز به أبد الدهر ونسير على هديه وخطاه ، لكنه الحنين المقدس لمن كان وسيبقى للمعلم والقائد الذى تعلمنا في مدرسته الثورية كيف نحب فتح ونتمسك بها ونحيا فيها ومن خلالها على درب التحرير وخوض كل الحروب والمعارك المستحيلة للدفاع عنها من منطلق الايمان بالفكرة المقدسة التي قامت على مبادئها ومضامينها حركة فتح لتكون ديمومة العطاء الكفاحي والنضالي حتى النصر... حتى النصر... حتى النصر... ، نعم تأتى ذكرى الانطلاقة المجيدة هذا العام لكن بدون القائد الشهيد ((أبو علي شاهين)) الذى لحق بركب الشهداء الاولين من رواد الفتح وطلائعها المقاتلة ورفاق السلاح والأسر والمنفي وفرسان الشبيبة الفتحاوية ممن سبقوه على درب الوفاء لفلسطين ، لتكون الذكري الأولي التي نمر بها والقائد الفتحاوي ((ابو علي شاهين)) في عليين مع الشهداء الابرار والصديقين ممن أوفوا بالعهد وأدوا الامانة ، فقد غيبه الموت من عالمنا في تاريخ 28/5/2013 ، ((أبو علي شاهين)) لم يكن بالرجل العادي ، ولم يكن من القادة التقليديين ، ولم يكن مناضل نمطى ، بل كان الفيلسوف والمنظر والمفكر وصاحب باع طويل في الادب الثوري والقارئ النهم الذى ينهل من كل العلوم الانسانية والتجارب الثورية ، ((أبو علي شاهين)) الفدائي والمقاتل الذى لم يتأخر عن معركة للدفاع عن حركة فتح والفكرة الوطنية ، فهو من أوائل الدوريات العسكرية الفدائية التي عملت في العمق الصهيوني وفي الخطوط الخلفية ضد قوات الاحتلال الغاشم ، ((أبو على شاهين)) القائد والرمز والقدوة الذى شكل النموذج الثوري للمناضل الفتحاوي الاصيل ، عاش حركة فتح منذ بداياتها الاولى وانضم اليها بقناعة الشهيد المقاتل وصاحب الرأي القوى والكلمة الامينة وظل على عهد الشهداء لايساوم ولا يهادن ، شديد الاعتداد بنفسه عزيزاً كريماً أباً حنوناً للجميع ، لايرد محتاج أو ملهوف بالرغم من ضيق ذات اليد ،لا نبالغ بأن هذا الرجل الانسان والقائد المتميز والمعلم الذى تقف أمامه بكل مهابته وغزارة علمه وفكره لا يتكرر فقد صنع أسطورته الخاصة في التاريخ الوطني الفلسطيني وجسد رمزيته في الذاكرة الفتحاوية إلى الابد .

أذكر هذا الختيار صاحب الشعر الأبيض والكوفية التي لم تكن تفارقه جيداً وكأنه لا زال بيننا يعيش فينا وبيننا ، أتذكر كيف كان يصر على العودة إلى وطنه وكيف عشق أبناء شعبه ، ورفض الرد وهو قادر على كل من أساء اليه حتي ولو بكلمة ، وكيف دفع ضريبة دفاعه عن الحق وأبناء قطاع غزة ، هذا الرجل الذي عاش ومات وهو يبتسم ، ففي خلال الفترة البسيطة التي عرفته فيها ، تعلمت منه كيف نحب ، وكيف تكون فتح أجمل ، وأن فتح هي الطلقة الأولي ، فتح الشهداء والأسري ، فهو لم ينسي تاريخ أحد بل كان في كل مرة يحدثنا فيها عن فتح المقاومة فتح التي عرفها فتح الرجال ، ويحاول أن يرفض ما وصلت إليه فتح اليوم .

يعتصرني الحزن والألم عندما تمر علينا انطلاقة حركة فتح لهذا العام بدونك أيها القائد والمعلم ، مهما كنت بعيداً بالجسد ولكن ثرى فلسطين التي أحببت وعشقت أولى بك منا ، فهنيئا لفلسطين التي تزغرد فرحاً وهى تضم أغلى وأكرم أبنائها إلى حضنها ، الا أننا لازلنا نراك أمامنا وتحلق كلماتك في عقولنا ، وسنبقي نعلمها لأبناء أبنائنا ونرسلها إلى الصغير والكبير .