أم ضياء الأغا، هكذا رأيتك شامخة برغم الوجع
تاريخ النشر : 2013-12-30 13:25

لم يكن من السهل أن أقف وجها لوجه أمام والدة الأسير البطل ضياء زكريا الأغا وهو من أسرى ما قبل أوسلو، حيث دخل قبل شهرين عامه الثاني والعشرين في المعتقلات الاحتلالية، فهول ما تعانيه قد وصلني ونفذ إلى أعماقي، من خلال تقبيلي لرأسها الطاهر ونظرتي لعينيها المثقلتين بالوجع والدموع والانتظار، واللهفة لعناق فلذة كبدها "ضياء" .

كنت عندها بعد أن أدرجت صحيفة "يديعوت" الإسرائيلية اسمه ضمن 30 أسير من المتوقع إطلاق سراحهم، وتوالت المواقع في نشر الاسم، وهذا منحها الأمل الكبير، وهي التي تعرف ألاعيب الاحتلال واستغلاله لمشاعر ذوي الأسرى، ولقد عاشت في هذه الأجواء في الدفعتين الأولى والثانية، وهكذا بدأ الحلم يكبر والأمل يزهر في أن ضياء سيكون بين أهله وأحبائه وشعبه.

لقد تحدثت عن ضياء ومحمد الأخوين المعتقلين في المعتقلات الاحتلالية البغيضة، وحين تتحدث عن ضياء، فهي تتحدث عن قائد حقيقي، صامد يمنح المعنويات لها ولزملائه من المعتقلين، هو يعرف كيف يتصرف (الإسرائيليون) وماذا يريدون، وهو دائما يقول لها الفرج قريب، ولا تزعلي وما نحتاجه منك يا أمي هو أن نخرج إلى حضنك وأنت بصحة وعافية وقوية، وكما تقول فإن ابنها محمد الذي يصغر ضياء بخمس سنوات، قد اعتقل في 5 أيار عام 2003، وحكم عليه بالسجن مدة 13 عاما، ومعتقل الآن في سجن نفحة الصحراوي، تأثر كثيرا لعدم خروج أخيه ضياء في الدفعة الثالثة .

يعلم الجميع كم هو رائع أن يتمتع المرء بالفضاء والشمس والهواء وصحبة الأصدقاء من البشر، بالمقارنة بما في المعتقل أو الزنزانة الانفرادية، من قيود بشعة تهبط إلى أدنى مستوى للحياة.

لا يعرف كم يعاني تفاصيل الذل والمحن إلا من عايشها فعلا، ولا يعرف كم يعاني المعتقلون وما يتعرضون له إلا من ذاق هذه المرارة وهذا الظلم وهذه المرحلة، قلق وإحباط بالرغم من الصبر الكبير والإيمان الراسخ بالله عزوجل، محرومون من حريتهم هذا أقل المعاناة .

هذه المرة في بيت أم ضياء أو كما يطلق عليها " أم الأسرى" فقد رأيت الحزن باديا على وجوه الجميع، وكانت الدمعات الحزينات تختلط مع قطعة الحلوى التي أصرت الكبيرة بأخلاقها وعطائها وصمودها الأخت المناضلة أم ضياء أن تقدمها لضيوفها أبناء القضية الواحدة والهم الواحد والانتظار، وحين تقدم أكثر من شاب لأن يأخذ عنها "صينية الحلوى" ليمر على الضيوف، أصرت وبكل شموخ وقالت: " بل أنا من سيقدم الحلوى وهذا لأجل أبناءنا الذين سيخرجون خلال ساعات، أبنائي الذين عاشوا كل المعاناة مع ضياء" ، كانت لحظات صعبة جدا، وحين تقدمت نحوي، حاولت أن آخذ منها "الصينية" لكنها رفضت بكل كبرياء وأكملت توزيع الحلوى.

رأيت دموعها وقدرتها على ان تصمد وأن تخفي أحزانها، وفي هذه اللحظات دخل والد الأسير المحرر رامي بربخ، المعتقل منذ شهر10/1994 والذي ورد اسمع في الدفعة الثالثة، ووقف أمام أم ضياء وقال لها: " ما تزعليش يا أم المعنويات يا عظيمة، تزعليش بكرا ضياء بيطلع مع ربيع الوطن وفلسطين، وكلنا ومعنا رامي وكل الأسرى سوف نخرج لعرس حريته، وعهدا عليَّ أنا ورامي وأم رامي أن نبقى في كل الفعاليات والاعتصام ويوم الاثنين العظيم للأسرى، نطالب بحريتهم ولن ينتهي حضورنا بخروج رامي من الأسر، لا تزعلي أم ضياء، أنا بأقولك انا كنت في قمة اليأس من خروج رامي ، قالوا هو بعد أوسلو وقالوا الكثير، ووعد رئيسنا أبومازن أن يكون ضمن الأسرى ما قبل أوسلو، ولم يورد اسمه قبل أيام، وأنا كنت على يقين أنه لن يخرج لا في الثالثة ولا في الرابعة وأنا والد شهيدين وبدي أعوضهم برامي، أنا كنت بدي رامي يطلع علشان لو ما طلع كانت راح تموت أم رامي قهرا عليه، فرحتي بأم رامي كبيرة، وحزني علشان ضياء كبير، لكن ضياء أسابيع قليلة وسيكون هنا "

وهنا تذكرت كلمات أم ضياء حين زرتها قبل عدة أيام حيث قالت : " عهدا عليَّ أمام الله أن يستمر تواجدي في الاعتصام والفعاليات التي تخص أسرانا ولن نتخلى عنهم، وضياء سيكون بجانبي وأنا سيكون هناك محمد ننتظره وننتظر كل الأسرى".

واليوم الاثنين ستغيب أم ضياء عن الاعتصام الأسبوعي أمام الصليب الأحمر في مدينة غزة لأنها ستكون في زيارة ضياء في المعتقل، وستذهب أم ضياء اليوم إلى ضياء، ستحمل كل الأمنيات والأمل، وأيضا الحزن العميق، إنها أوقات وظروف ولحظات يستحيل أن يعيشها إلا من يعانيها، و سيؤازرها ضياء كما كل مرة ويمنحها المعنويات، وستعود إلى البيت لتحكي عن هذا القائد العملاق، وستمر الأيام يبطئها أو بما تحمله حتى يأتي قدر الله في أن تتعانق القلوب والأجساد ويتحرر ضياء من قبضة الاحتلال وتفرح أم ضياء فرحتها التي سرقها الاحتلال أكثر من 22 عاما ويسرقها في كل مرة تخرج فيها دفعة من الأسرى. أم ضياء الأغا، هكذا رأيتك شامخة برغم الوجع، وأنهي مقالي بما قالته الحاجة أم ضياء أنها بعد عودتها مساء اليوم من زيارة ضياء سوف تلتحق بمن سيذهبوا لاستقبال الأسرى المحررين على معبر بيت حانون "إيرز"، و ستكون أول الزاحفين الى بيوت العز والكرامة لاستقبالهم الأسرى في بيوتهم.