إسقاط «لينين»
تاريخ النشر : 2013-12-11 10:45
«إن كنت تقصد بعبارة (شيوعي) أني عضو في الحزب الشيوعي وأني شخص مؤمن بنظرية ماركس وإنغلز ولينين وستالين وأني ألتزم التزاماً صارماً بنظام الحزب، فأنا لم أكن شيوعياً».
(نلسون مانديلا في رده على تهمة انتسابه إلى الحزب الشيوعي في جنوب أفريقيا أثناء واحدة من محاكماته).
إثر وفاة مانديلا، بدأت عملية تصفح متأنية لحياته، شأنه شأن سائر الكبار الراحلين. وعاد إلى الظهور جدل سابق حول تبوئه منصباً قيادياً في الحزب الشيوعي، بعد «اعتراف» قيادة الحزب في جنوب أفريقيا بذلك.
كان مانديلا يواجه اتهام الحكومة العنصرية في بلاده بنفي هذا الانتماء. فالتهمة كانت أداة لإجهاض حركة شعبية أرادت انتزاع اعتراف العالم بمشروعية مطالبها، فيما كانت حكومة التمييز ترغب بالإبقاء على الحركة أسيرة النزاع القطبي بين العملاقين العالميين، فزاودت في عدائها للشيوعية، وكسبت في مقابل ذلك رضى الغرب.
غير أن نفي مانديلا نفسه لم يكن مدفوعاً بأسباب براغماتية فقط، بل إن علاقته بقيادات الحزب الشيوعي، شريكه في مكافحة العنصرية في البلاد، والتي وثقها في كتابه «رحلتي الطويلة من أجل الحرية»، تمرحلت وتغيرت بتغير الظروف. فهو كان شديد الصلة بالحزب وأدبياته، من دون أن ينجر في صلته انجراراً كاملاً، ثم عدل في مراحل لاحقة من قناعاته، فأبقى على بعض منها وتجاوز بعضها الآخر. بيد أن التجاوز والنفي لم يدفعاه إلى تحطيم ماضيه، بل ظل أميناً على قراءته موضوعياً، أقله وفق ما سمحت به ظروفه وظروف البلاد.
في سياق آخر، وبعيداً عن «التجاوز» وقوانينه، أسقط تمثال «لينين» الذي كان منتصباً في «ميدان بيسارابسكا» في قلب العاصمة الأوكرانية كييف منذ العام 1946، بعدما حطم رهط من المتظاهرين رخامه بالمطارق، ودحرجوا رأسه أرضاً، ثم رفعوا مكانه على القاعدة التي ألقي عنها علم البلاد.
ظهرت قراءة تكثف من رمزية الحدث وتعيد وصله بمحطات سابقة. فما حصل، وفق هذه القراءة، استكمال للثورة البرتقالية بعد تسع سنوات من انطلاقها. وهو، لذلك، يمثل استمراراً لمسار خطّه شهر كانون الأول من العام 1991، حين انهار المعسكر الاشتراكي بعدما استُنزف اقتصادياً وعقائدياً على حد سواء.
قورن المشهد بقلب تمثال فيليكس دزيرجينسكي في ساحة «لوبيانكا» وسط موسكو من ذاك العام، على بعد أمتار من مقر جهاز استخبارات ألـ«كي جي بي». وأريد القول إن القضية محسومة لجهة التماثل. فدزيرجينسكي هو رئيس لجنة الطوارئ، «التشيكا»، أول جهاز أمني سوفياتي نشأ بعيد «الثورة البولشفية» العام 1917. وكما كانت إزالة تمثاله إعلاناً لنهاية حقبة الحكم الأمني لمعسكر الاتحاد السوفياتي المتداعي، مثّل «إسقاط» لينين في «ميدان بيسارابسكا» إعلاناً موازياً لقرب ضمور النفوذ الروسي عن أوكرانيا، بلاد الستة والأربعين مليوناً، وثانية كبريات جمهوريات الاتحاد السابق، وأكثرهن إغاظة لموسكو.
وما زاد من رمزية المشابهة أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش، حليف موسكو التي قامت التظاهرات ضده، ضابطان سابقان في الـ«كي جي بي». وهما، بذلك، يمثلان عهداً سابقاً لا تريد المعارضة الأوكرانية الانشداد إليه مجدداً. فالتظاهرات التي تراوحت تقديراتها أخيراً بين مئة ألف (بحسب الشرطة) ونصف مليون (بحسب نشطاء المعارضة)، جاءت على خلفية قرار الحكومة الأوكرانية وقف إجراءات التصديق على اتفاقية التعاون ومنطقة التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي، بعدما سوقت لها على مدى عام ونصف العام. بينما راح الرئيس الأوكراني يكثف من حديثه عن شراكة إستراتيجية مع روسيا، لتلي كلامه تسريبات عن توافقه وبوتين على الانضمام إلى الاتحاد الجمركي الروسي في مقابل مساعدات بقيمة خمسة عشر مليار دولار.
في هذه الظروف، خرجت ما بات يطلق عليها البعض اليوم «ثورة أوروبية» (Eurolution).
ففي مواجهة حديث بوتين عن الاتحاد اليوارسي الذي يهدف إلى جمع أكبر قدر ممكن من جمهوريات الاتحاد السابق، ثمة في أوكرانيا من يستميت للاتجاه غرباً. وجل هؤلاء أبعد من الاقتناع بمحاججات الرئيس الروسي حول «خطأ وضع الفضاء الجديد والاتحاد الأوروبي في مواجهة بعضهما البعض». إذ إن القضية، بالنسبة لهم، ثقافية وسياسية قبل أن تكون اقتصادية.
وفي هذا السياق، جاء تحطيم تمثال «لينين»، أي في غمرة التنافس بين روسيا والاتحاد الأوروبي على أوكرانيا بعد اثنين وعشرين عاماً من الاستقلال عن الاتحاد السوفياتي. غير أن ذلك لم يمنع عدداً من نشطاء المعارضة، وبرغم حدة المواقف السياسية في البلاد، من إدانتهم تحطيم التمثال. فنقلت قناة «بلومبرغ»، مثلاً، عن بعضهم، وصف العمل بالتخريبي والبربري، في حين رأى آخرون فيه عملاً رمزياً يواجهون عبره خطر الانزلاق نحو الماضي.
غير أن القضية هنا تتجاوز سياسة التصنيم البائسة الذي درجت على اعتمادها أحزاب قومية وشيوعية على امتداد العالم في القرن الماضي. إذ ثمة تجاوز تاريخي يمكن أن يعفي هذه التماثيل من وظائفها الأيديولوجية والسياسية التي صنعت من أجلها، لكنه يبقي عليها كجزء من الذاكرة، خصوصاً إن كان قسم معتبر من الشعب ما زال معلقاً برمزيتها أو مؤسساً رؤيته عليها. وفي أوكرانيا، مثلاً، حزب شيوعي ذو حجم تمثيلي مقبول، وسكان من أصول روسية يغلبون على شرق البلاد، والقضية بالنسبة إليهم ثقافية قبل كل شيء، كما هي لخصومهم.
وسقوط التمثال بحد ذاته، ليس دائماً دليلاً على نجاح ثورة أو كسر قوالب الأيديولوجيا التي قامت الثورة ضدها، كما يحلو لبعض التبسيطيين أن يميطوا اللثام. فوجود تماثيل للينين في القطب الجنوبي وولاية سياتل الأميركية والعاصمة البريطانية لندن، كما أظهر تقرير لـ«بي بي سي»، لا يعني أنه مؤثر في أي من الأماكن تلك.
أما بخصوص صاحب التمثال نفسه، فصحيح أن بعض ما نشأ عن حقبة «لينين» وما تلاها ذهب أدراج الرياح ولن يعود، لأن التجربة أثبتت فشله، أقله وفق النموذج السابق. لكن بعضه الآخر ما زال حياً، وهو موجود في آليات المنظومة الفكرية المقابلة التي قضت عليه، أي في ميكانيزمات النظام الرأسمالي نفسها التي تسيّر عالم اليوم، بعدما هضمت بعض الأدبيات الاشتراكية وعدلتها ثم تجاوزتها.
ويصح الزعم أن «لينين» لم يسقط، حتى لو سقط تمثاله. فالأفكار، ببساطة، لا تموت. والاشتراكية جزء من قصة نجاح الرأسمالية المتكيفة مع تبدلات السوق والسياسة، أقله حتى الآن.
ومن عايش المرحلة الشيوعية، على كل حسناتها ومساوئها، لا بد أن يقرأها في سياقها إن أراد أن يعقلن تشخيصه للحاضر وتوقعاته لما يلي من تجاوز طبيعي بدل الانفعال المتعسف.
ولو كان نلسون مانديلا حياً، لأمكن سؤاله عن تجربته الخاصة في قضية التجاوز، على المستوى الشخصي والسياسي وحتى العقائدي.
لكنه أجاب على ذلك لمن يريد أن يقرأ.
عن السفير اللبنانية