الإسلاميون والمجتمع والدولة والجهاد
تاريخ النشر : 2015-05-20 02:03

عندما أقام رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ دولته في المدينة وبدأ بتحريك السرايا والغزوات لمقارعة قريش لم يكن يملك سلاحاً أقوى ولا عدداً في الرجال أكثر، ولم تكن هذه الدولة الوليدة على قلب رجل واحد، فكان هناك يهود أدركوا ضعفهم؛ فأخفوْا عداءهم، وهناك مَن لم يؤمنوا وقرروا أن ينافقوا ويتربصوا بالمسلمين الدوائر. ولسنوات طويلة ظل هذا هو حال دولة المسلمين في المدينة، ورغم ذلك حقق عليه الصلاة والسلام انتصارات في معظم معاركه مع قريش وغيرها.

مَن قال أنّ على الحركة الإسلامية اليوم أن تُرجئ الجهاد في سبيل الله وإقامة الدولة الإسلامية إلى أن تتمكن من الانتشار الواسع في أوساط المجتمع الإسلامي؟! فها قد مضى أكثر من ثمانين عاماً على نشأة هذه الحركة وحققت نجاحات واسعة على مستوى استقطاب الجماهير وتعديل سلوك المجتمعات المسلمة والوصول أحياناً إلى نجاحات باهرة في الانتخابات التشريعية والطلابية والنقابية والبلدية وغيرها في عدد من الدول العربية، فمتى ستجد الحركة الإسلامية نفسها جاهزة لإعلان الدولة والقيامِ بالجهاد لدحر الأعداء؟ فما الذي ينقص الحركة الإسلامية كي تقوم بهذا الواجب؟ هل تعتقد أنها محتاجة لأن تستقطب جميع الناس؟ إنها في غنى عن ذلك؛ لأن الناس بطبعهم لا يتفقون على شيء، ولأن دعوات الأنبياء لم يتفق عليها كل الناس، ولأن كل الدول في العالم تقودها أقلية منظمة تعرف ماذا تريد وكيف تحققه، فهي ليست مضطرة ولا قادرة على تحقيق ذلك. كما أن الحركات المناهضة والأنظمة الفاسدة القائمة لن تقف مكتوفة الأيدي وهي ترى الحركة الإسلامية تدخل بيوت المجتمع فوسف تحاربها وتتخذ من الإجراءات ما يكفل لها إفسادَ كل ما أصلحته الحركة الإسلامية. كما اتبعت هذه الأنظمة أسلوب جزِّ العشب فكلما لمعت قيادات الحركة الإسلامية وحققت نجاحات باهرة قامت هذه الأنظمة باجتثاثها وقتلها كما حصل مرات عدة في ليبيا وسوريا ومصر والجزائر وغيرها.

لم يعد فريق من أبناء الحركة الإسلامية يطيق الاستمرار في هذه الدوامة وقرر _على عجل_ أن ينتقل إلى الجهاد وإعلان الدولة، ومن المؤسف أن هذا الفريق وإن كان يتّسم بالجرأة والشجاعة والعزيمة إلا إنه اتسم بقليل من الحلم والفكر والحكمة، وهذا يرتب على أصحاب الحلم والفكر والحكمة أن يحتضنوا هؤلاء وينظروا إلى حاجاتهم ودوافعهم ومبررات انطلاقهم في ضوء الواجب وفي ضوء التاريخ، وعدم تركهم يقودون الأمة وجماهير الحركة الإسلامية إلى طريق محفوف بالمهالك. إن على الحركة الإسلامية أن تعيد النظر في سياسة الوصول إلى الحكم وإعلان الجهاد قبل أن ينفرط عقدها ويتشتت جهدها بين طموحات الشباب فوحدة التخطيط والتنفيذ واجبة وأخذ المبادرة لا مناص منه وإلا فإن المقصلة تنتظر الجميع.