خيارات "إسرائيل" الصعبة بعد صفقة "إس 300"
تاريخ النشر : 2015-05-03 10:22

على الرغم من كل محاولات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تحييد الكيان الصهيوني في صفقة صواريخ "إس 300" الروسية المضادة للطائرات التي فاجأ كل الأطراف بتسرعه في إعلان بيعها إلى إيران، باعتبار أن هذه الأسلحة دفاعية ولن تضر بالأمن "الإسرائيلي"، إلا أن محاولته هذه فشلت تماماً وحفزت "الإسرائيليين" على تكثيف هجومهم الدعائي على الاتفاق النووي الذي تم التوصل إليه في لوزان يوم 2 إبريل/ نيسان الماضي، وامتد الهجوم "الإسرائيلي" ليشمل أيضاً الدور الروسي الإقليمي في الشرق الأوسط، وبالذات تحالفات روسيا مع كل من إيران وسوريا . لكن ما هو أهم هو قيام "إسرائيل" بشن هجمات جوية على ثلاثة مواقع عسكرية بسوريا يعتقد أنها تضم مخازن صاروخية، وذلك جنباً إلى جنب مع الحرص "الإسرائيلي" على نسج خيوط تحالف مضاد مع أطراف عربية لاحتواء التحالف الإيراني (الشيعي) المدعوم روسياً .
رسائل بوتين من صواريخ "إس 300" التي قرر أن يبيعها إلى إيران فجأة حفزت "إسرائيل" لاحتواء ما أراده بوتين، أو بعض ما أراده، في علاقته مع إيران وطموحاته الشرق أوسطية الداعمة لما يسميه "الإسرائيليون" ب"الحلف الشيعي"، بفرض قواعد لعبة بديلة في الشرق الأوسط .
كان بوتين حريصاً على أن يقوم بتوصيل رسالتين مهمتين إلى "إسرائيل" بالتحديد ودون غيرها من الأطراف الإقليمية والدولية، وهو يعلن عن رفع الحظر الروسي المفروض على بيع هذه الصواريخ إلى إيران منذ عام ،2012 بعد أن تم التوصل إلى الاتفاق الإطاري الخاص بأزمة إيران النووية . الرسالة الأولى تنفي وجود أي تهديد ستتعرض له "إسرائيل" جراء حصول إيران على هذه الصواريخ . فقد أوضح بوتين أن "توريد منظومة صواريخ "إس 300" إلى إيران سيشكل عامل ردع في المنطقة، لاسيما على خلفية الأحداث في اليمن، ولا يمكن لهذا السلاح أن يهدد أمن "إسرائيل"، لأن هذه الأسلحة تحمل طابعاً دفاعياً" . وكان بوتين قد كشف مدى حرصه على أمن "إسرائيل" عندما استجاب لضغوطها وأوقف بيع صفقة من هذه الصواريخ إلى دولة عربية (يرجح أن تكون سوريا)، وقال عن ذلك إن "إسرائيل" أعلنت آنذاك أن (الصفقة) يمكن أن تؤدي إلى تغيرات جيوسياسية جذرية في المنطقة . أجرينا مشاورات مع المشتري، وتراجع عن الصفقة، وتفهم شركاؤنا في الدولة العربية الأمر، وفي نهاية المطاف أعدنا قيمة 400 مليون دولار دفع لنا مقدماً إلى تلك الدولة العربية" .
كانت الرسالة الأولى إلى "إسرائيل" سياسة حسن نوايا، أما الرسالة الثانية فكانت رسالة تحذيرية ل"إسرائيل" من مغبة تسليح أوكرانيا أو بيعها معدات رداً على الصفقة الروسية مع إيران . وحسب بوتين، فإن عملاً كهذا من جانب "إسرائيل" لن يكون "غير مجدٍ فقط، ويسبب ضحايا جدداً، بل سيقود إلى جولة أخرى من العداء ولن يغير الواقع على الأرض" . وكانت تقارير صحفية "إسرائيلية" قد أثارت فكرة بيع أوكرانيا منظمات سلاح متطورة "كرد وانتقام" على قرار روسيا تنفيذ صفقة بيع صواريخ "إس 300" إلى إيران .
رسائل الطمأنة والتحذير الروسية لم تجد سبيلها إلى "الإسرائيليين"، فحسب تقديرات الجنرال المتقاعد "أساف أجمون" رئيس معهد فيشر للدراسات الاستراتيجية والفضاء، فإن الجيش وسلاح الجو "الإسرائيلي" سيضطران إلى تطوير نظرية حربية حديثة واستثمار الكثير من الأموال في التدريبات، والتزود بأنظمة متطورة من طائرات الشبح "إف-35" من أجل التغلب على منظومة الصواريخ "إس 300" في حال نقلها من روسيا إلى إيران . وكان هذا الجنرال حريصاً على أن يؤكد أن هذه الصواريخ لا تشكل تهديداً للطائرات الهجومية فحسب، بل إنها ستزود إيران بالحماية ضد صواريخ "أرض-أرض" بعيدة المدى والصواريخ الموجهة، لكن الأهم أنه كان حريصاً على التحذير من خطورة احتمال نقل بعض هذه الصواريخ إلى حزب الله في لبنان .
هذا التحذير جاء متسقاً ومدعماً لتحذير مشابه جاء على لسان عاموس جلعاد رئيس الطاقم السياسي- الأمني بوزارة الدفاع "الإسرائيلية" من خطر تفاقم قوة "حزب الله" الصاروخية تفاقماً لم يسبق له مثيل، وإذا كان جلعاد قد رفض فكرة شن حرب وقائية على صواريخ "حزب الله" وتدميرها وفضّل إعطاء الأولوية للحفاظ على الردع و"إعطاء أولوية للحفاظ على المعلومات الاستخباراتية وتطوير القدرات الدفاعية والتكنولوجية ومنع إيران من التحول إلى دولة طاقة نووية"، فإن القيادة "الإسرائيلية" لم تأخذ بنصائح جلعاد وقامت بشن غارات عدة على ثلاث قواعد عسكرية سورية بزعم أنها كانت تحتوي أسلحة وصواريخ في طريقها إلى "حزب الله" .
السؤال مثار في الداخل "الإسرائيلي" في ظل ما يراه مثلاً المعلق الأمني في صحيفة "معاريف" يوسي ميلمان من أن السياسة التصالحية ل"إسرائيل" تجاه روسيا تلقت مرة أخرى صفعة مدوية"، وقال إن "إسرائيل" تنتهج منذ سنوات عدة سياسة تصالحية مع الكرملين لأسباب عدة، أولها الأمل بأن هذا رد جميل على منع صفقة السلاح مع إيران، و"المحرج أن هذا لم يحدث، والثاني الخوف من روسيا" . وأشار إلى أن بوتين وجه تحذيره ل"إسرائيل" رغم أن "تل أبيب" سبق وخانت جورجيا من أجل استرضاء روسيا، وتوقفت عن بيعها العتاد بعد الغزو الروسي لها في العام ،2008 مشيراً إلى أن "إسرائيل" تتصرف على النحو ذاته مع أوكرانيا، مشيراً إلى أن "إسرائيل" وإيران كانتا من الدول القليلة في العالم التي لم تقم بإدانة الغزو "الروسي للقرم وضمه للاتحاد الروسي . وخلص ميلمان إلى أن ممالأة "إسرائيل" لزعيم مثل بوتين لم تدفعه لشكر "إسرائيل" .
يبدو أن "إسرائيل" تشعر بالعجز على تحدي روسيا، وأن هناك من يحرصون على ضبط ردود الفعل مع روسيا حتى لا تجد "إسرائيل" نفسها في مواجهة مع كل من واشنطن (حول الاتفاق النووي)، ومع موسكو (حول صواريخ "إس 300") مرة واحدة، في ظل إدارك بوجود تغيرات مهمة تحدث في المنطقة وفي أنماط التحالفات والصراعات وبوتيرة متسارعة، وأنه من المهم أن يركز "الإسرائيليون" على فهم المعاني واستخلاص الدروس من دوافع إقدام الرئيس الروسي على بيع هذه الصواريخ إلى إيران كي يمكن اعداد الردود التي تحقق مصالح "إسرائيل" ولا تهدد هذه المصالح .
من بين هذه المعاني يتفق كثير من المعلقين "الإسرائيليين" على أن "إسرائيل" يجب أن تخرج من هذه الأزمة بأربع عبر أساسية . العبرة الأولى، أن عقد التحالف الدولي ضد إيران قد انفرط بعد التوصل إلى "اتفاق الإطار" النووي معها، وأن روسيا قد لا تكون شريكاً مرة أخرى في تحالف دولي ضد إيران يقرر فرض عقوبات اقتصادية عليها . والعبرة الثانية، أن قدرة "إسرائيل" على مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية ستكون أصعب، لكنها تبقى غير مستحيلة، بالنسبة إلى أسلحة الجو "الإسرائيلية" والأمريكية، لكنها قد تكون شبه مستحيلة بالنسبة إلى سلاح الجو "الإسرائيلي" منفرداً . أما العبرة الثالثة، فهي أن روسيا لن تكون مستعدة أبداً لفقدان إيران كذخر لها في الشرق الأوسط، وهذا يعني أن روسيا لن تسمح بأي تهديد لها . والعبرة الرابعة أن "إسرائيل" رغم سياستها التصالحية تجاه روسيا لن تكون قادرة على التأثير بقوة في السياسة الخارجية للرئيس بوتين .
هذه الدروس والعبر ليست من قبيل الإحباط، ولكنها ضرورية للتجهيز لردود تحتوي مخاطر انفلات السياسة الروسية في الشرق الأوسط، وبالذات نحو إيران .
عن الخليج الاماراتية