"طنطاوى".. على جثة مصر..!
تاريخ النشر : 2013-10-08 11:08

كنت حزيناً للغاية حين اندلعت معارك الرصاص الحى والخرطوش بين الإخوان والأهالى والأمن أمام مقر صحيفة «الوطن» بالدقى.. سألت نفسى مساء أمس الأول: كيف سأقاوم رغبتى الجامحة فى حضور حفل مصر فى ذكرى نصر أكتوبر؟! كانت المواجهات تتصاعد أسفل مقر الجريدة، وسط صيحات من الإخوان بالتأهب لاقتحام المبنى وإحراقه بمن فيه.. ورغم إصرار مسئولى الأمن بالجريدة على عدم خروجى وزميلى محمود مسلم، مدير التحرير، حفاظاً على حياتنا، فإن شيئاً ما بداخلى منعنى من مغادرة المبنى وترك زملائى فى هذه اللحظة الحرجة..!

اتخذت قرارى بالاعتذار عن عدم حضور الحفل الذى أقيم بنادى الدفاع الجوى.. وجلست فى مكتبى مع الزملاء نتابع الرصاص الذى يحاصرنا، ونشاهد الحفل على الهواء مباشرة مع الملايين من الشعب المصرى.. والحق أن الأوبريت كان رائعاً ولائقاً بحجم ومكانة مصر.. غير أننى أُصبت بغصة شديدة مثل ملايين غيرى حين شاهدت منصة الاحتفال.. كان الرئيس عدلى منصور جالساً وعلى يمينه السيدة الفاضلة جيهان السادات، وعلى يساره الفريق أول عبدالفتاح السيسى، وعلى يمين «جيهان» المشير محمد حسين طنطاوى، وزير الدفاع السابق ورئيس البلاد أثناء المرحلة الانتقالية التى أعقبت ثورة 25 يناير 2011 والإطاحة بالرئيس الأسبق حسنى مبارك.

كان حضور جيهان السادات لمسة راقية عوّضت «الجليطة الرئاسية» التى ارتكبها «مرسى وإخوانه» فى احتفالات أكتوبر 2012.. بينما كانت دعوة «طنطاوى» وحضوره المستفز للجماهير خطيئة كبرى فى هذا اليوم.. وقبل أن يقول لى أحد إن حضوره كان عسكرياً فى احتفالات القوات المسلحة.. أقول: إن احتفالات 6 أكتوبر كانت لـ«مصر» كلها.. مصر التى حاربت على الجبهة وفى الشوارع والبيوت، ومصر التى أطلقت الزغاريد وهى تدفن شهداءها فى الحروب.. وهى ذاتها مصر التى تسلمها «طنطاوى» ورئيس أركانه «سامى عنان» فى مرحلة هى الأهم والأخطر فى تاريخها الحديث.. وهى مصر ذاتها التى تدفع الآن، وستظل لسنوات طويلة، ثمناً فادحاً لأخطاء وخطايا «طنطاوى» فى إدارة المرحلة الانتقالية..

كانت البلاد وشعبها فى لحظة توهج وطنى غير مسبوق حين تنحى «مبارك» وغادر إلى «شرم الشيخ».. لم يكن على «طنطاوى» و«عنان» سوى توظيف الطاقة المتفجرة داخل كل مواطن لبناء مستقبل أفضل لأبنائنا وأحفادنا.. لم يكن مطلوباً منهما تضحيات ولا عبقريات، فقط الاستعانة بالرموز الوطنية المخلصة لرسم خارطة طريق، تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.. دستور عصرى.. برلمان يمثل الأمة بتنوعها وتركيبتها الحقيقية.. ثم رئيس -أى رئيس- يعمل فى إطار دستورى لم تصنعه جماعة أو مصالح ضيقة.. فهل فعل «طنطاوى» ذلك؟!

الإجابة فى قلب وعقل كل مصرى.. الإجابة فى الغرف المغلقة والملفات السرية والصفقات السياسية.. الإجابة فى البيت الأبيض والمخابرات الأمريكية وسفارتها بالقاهرة ومكتب إرشاد «الإخوان».. الإجابة فى المصالح الشخصية الضيقة وتأمين النفس وإغلاق جميع الملفات.. الإجابة كانت عكس اتجاه المصلحة الوطنية لمصر كلها: مرحلة انتقالية بالمقلوب لإرضاء واشنطن وتمكين الإخوان، ووضعهم على «الكرسى» مقابل الخروج الآمن.. لجنة تعديل دستورى يترأسها المستشار طارق البشرى، وهو مَن هو، و«يبرطع» فيها القيادى الإخوانى صبحى صالح.. هكذا كان الاتفاق أو الصفقة مع الإخوان وحليفهم الأمريكى، ولا حياة لمن ينادى ويصرخ «ويشق هدومه».. ولأن كل شىء تم فى الغرف المغلقة، كان لا بد أن تضع اللجنة الانتخابات البرلمانية على رأس الأولويات ثم يأتى البرلمان الإخوانى ليضع دستور مصر، ويأتى برئيس من «المقطم».. و«طظ» فى مصر كلها ومصلحتها وشعبها الذى ثار واستشهد فى الشوارع، ليقسم «طنطاوى» و«الإخوان» الكعكة..!

تسلم «طنطاوى» مصر الجديدة.. مصر الحالمة.. مصر الجريحة.. ليضعها فى «جيب الإخوان».. و«جيب الإخوان» بحاجة إلى مليارات التمويل.. ولا مانع من فتح وإتاحة كل الطرق والدروب لإمداد «الجماعة» بالمليارات فى «غفلة متعمدة» من أجهزة الدولة.. هكذا كانت الصفقة.. صفقة على «جثة مصر».. وقطعاً لست بحاجة لتذكيركم بالاعتراضات والمناشدات التى أطلقتها جميع القوى الوطنية ضد «خارطة الطريق العوجاء» والمرحلة الانتقالية الفاسدة.. غير أن «طنطاوى» و«عنان» أرادا «الإفلات»، «بما حققاه»، وتركا شعباً ووطناً فى مهب الريح..!

شخصياً.. أرفض وجود «طنطاوى» فى احتفال مصر، فى ذات اللحظة التى يموت فيها أبناؤها بسبب إدارته للمرحلة الانتقالية.. والأكثر من ذلك أننى -وبراحة ضمير- أرى -مثل كثيرين منكم- أن ما يحدث فى مصر منذ عامين ونصف العام، وما سيحدث لنا وفينا خلال السنوات المقبلة، فى رقبة «ثنائى طنطاوى وعنان».. فكيف لنا أن نتحمل وجود الأول فى منصة احتفالات مصر وغياب الثانى، من غير ما حد يقول لنا ليه؟!

عن الوطن المصرية