ما بعد اتفاق «الشيطان الأكبر» مع الولي الفقيه
تاريخ النشر : 2013-11-26 09:54
تصالح «الشيطان الأكبر» مع الولي الفقيه يعد أحدث انقلاب في الشرق الأوسط، حيث إنه يفرض علينا توازنات جديدة وخريطة سياسية جديدة، لا دور للعرب فيها ونرجو ألا يدفعوا ثمناً لها.

(1)

أتحدث عن الاتفاق الذي وقعه في جنيف ممثلو الدول الخمس الكبرى والاتحاد الأوروبي مع إيران في أعقاب التصالح الذي تم سراً بين واشنطن وطهران بعد مضى 34 سنة على القطيعة والخصام بين الطرفين. ذلك أننا لم نعرف إلا هذا الأسبوع فقط أن التواصل بين الخصمين مستمر منذ ثمانية أشهر تقريباً. وأنه أحيط بستار كثيف من السرية حُجب عن أقرب الأقربين، كما أنه خضع للتمويه وعمليات الخداع، التي جعلت الاجتماعات تعقد في سلطنة عمان، وفى بعضها كانت الوفود تدخل من الأبواب الخلفية للفنادق، وتستخدم المصاعد المخصصة لخدمات الغرف، كي لا تلفت أنظار الصحافيين والنزلاء.
«وكالة أسوشيتدبرس» للأنباء بثت يوم السبت الماضي 23 تشرين الثاني تقريراً مستفيضاً روت فيه قصة الاتصالات بين الولايات المتحدة وإيران، ذكرت فيه أنها بدأت في شهر آذار من العام الحالي، أثناء وجود الرئيس أحمدي نجاد في السلطة وقبل انتخاب الرئيس حسن روحاني في شهر آب.
وقد لعب السلطان قابوس دور الوسيط بين الطرفين. ذكر التقرير أيضا أن المباحثات التي بدأت في شهر آذار نشطت بعد انتخاب الرئيس حسن روحاني في شهر آب. وهو ما مهد الطرفين للاتصال الهاتفي المباشر الذي تم بين الرئيسين الأميركي والإيراني في أواخر شهر أيلول، حين كان روحاني يرأس وفد بلاده لدى اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة.
اخفت الإدارة الأميركية نبأ الاتصالات عن حلفائها. وكان أول الحلفاء الذين احيطوا علماً بالأمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي اجتمع بالرئيس الأميركي في 30 أيلول الماضي. وهو ما أثار غضبه ودفعه إلى مهاجمة إيران بشدة في كلمته أمام الجمعية العامة في اليوم التالي ووصف روحاني بأنه «ذئب في ثياب حمل»، وقال إن الاتفاق مع طهران بشأن البرنامج النووي يمكن أن يعد صفقة القرن بالنسبة للإيرانيين.
أصداء الاتفاق في إسرائيل كانت الأشد حدة والأكثر صخباً. فقد وصفه نتنياهو في بداية الجلسة الأسبوعية لحكومته صباح يوم الأحد (24/11) بأنه «خطأ تاريخي أصبح العالم في ظله أشد خطراً». وحذر من أن يؤدي رفع العقوبات الجزئي عن إيران إلى تشجيعها على استئناف عمليات تخصيب اليورانيوم في الوقت الذي تراه مناسباً. في الوقت ذاته، كشف وزير الشؤون الاستخبارية يوفال شتاينتس النقاب عن أن إسرائيل نجحت في تعديل مسودة الاتفاق بين الدول الكبرى وإيران قبل ساعات من إنجازه. من ناحيته قال وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان إنه يتوجب على إسرائيل أن تبحث عن حلفاء جدد بناء على مصالح مشتركة، تقوم على «مبدأ خذ وهات». وأشار في هذا الصدد إلى أهمية التعامل مع الدول الغنية في العالم الإسلامي المعنية بالاستفادة من الخبرة الإسرائيلية في مجال التقنيات المتقدمة والزراعة.
أثار الانتباه في هذا الصدد كلام شتاينتس للإذاعة العبرية يوم الأحد الذي قال فيه إن هناك التقاء مصالح واضحاً بين إسرائيل ودول الخليج الراغبة في منع إيران من امتلاك السلاح النووي. وتحدث عن أهمية البحث عن وسائل للتنسيق مع تلك الدول من أجل بناء تحالف واسع لمواجهة الخطر الإيراني.

(2)

منذ قامت الثورة الإسلامية في العام 1979 واعتمدت طهران شعار «الموت لأميركا» ــ (مرك بر أميركا) جرت هندسة منطقة الشرق الأوسط بحيث وقفت غالبية دوله في صف مخاصمة إيران، وكانت مصر والسعودية في مقدمة تلك الدول. وكثفت الولايات المتحدة من وجودها العسكري في منطقة الخليج التي سارعت دولها إلى الاحتماء بالغطاء الأميركي، وانفتح ملف الجزر الثلاث التي اتهمت دولة الإمارات إيران بالاستيلاء عليها. وفى الوقت ذاته ارتفعت بعض الأصوات محذرة من الأطماع الفارسية تارة ومن المد أو «الهلال الشيعي» تارة أخرى. وظلت إيران التي تحدَّت الجميع شوكة في حلق المنظومة الغربية وإسرائيل بوجه أخص. وخلال تلك السنوات التي ناهزت الثلاثين تمت شيطنة إيران في الخطاب السياسي والإعلامي العربي، بحيث اعتبرت خطراً على العالم العربي معادلا للخطر الإسرائيلي. بالتوازي مع ذلك فإن واشنطن اعتبرت إيران من الدول الراعية للإرهاب، وقد ذكر موقع الخارجية الأميركية أنه في يوم توقيع الاتفاق كانت إيران قد أمضت عشرة آلاف و902 يوم (29 سنة وعشرة أشهر وخمسة أيام) وهى مدرجة ضمن تلك القائمة السوداء.

(4)

هذا المعمار كله بصدد التغير، خصوصاً إذا ما تم توقيع الاتفاق النهائي بعد سنة. وهو ما تحاول أطراف عدة عرقلته، وأعني الأطراف الأميركية المتعاطفة مع إسرائيل (الجمهوريين وبعض مراكز الأبحاث) ومعها ضغوط خليجية تمارس في ذات الاتجاه. برغم أن ثمة مصالح اقتصادية كبيرة في الولايات المتحدة حبذت الاتفاق، واعتبرته باباً يمكنها من الدخول إلى إيران للاستثمار فيها بعد طول غياب. وإذا جاز لنا أن نرصد معالم الصورة في أعقاب توقيع الاتفاق، فبوسعنا أن نوجز أهم معالمه في ما يلي:
÷ بدا من ملابسات الاتفاق أن محوراً جديداً تحت التشكل في المنطقة قوامه التحالف الإيراني ـ الروسي الذي برز دوره في الصفقة الأخيرة، وكانت له بوادره في وقف الحملة العسكرية ضد سوريا.
÷ أصبحت الولايات المتحدة تعتمد في ضمان استقرار المنطقة على إيران وتركيا، وبعدما خرجت مصر من دائرة التأثير في العالم العربي منذ عصر مبارك وأدى عدم الاستقرار الذي تشهده حالياً إلى سحب رصيد أهميتها في المنطقة. فإيران موجودة على الأرض في سوريا والعراق ولبنان، وبدرجة أو أخرى في شمال اليمن حيث الحديث متواتر عن دعمها للحوثيين. وتركيا لها دورها في سوريا والعراق وفي منطقة القوقاز في وسط آسيا، فضلا عن حضورها الاقتصادي المهم في العديد من الأقطار العربية.
÷ إسرائيل ستكون مستفيدة أيضاً، لأن الكيميائي السوري والنووي الإيراني ظلا مصدرين لقلقها طوال السنوات الماضية. وقد تم تفكيك وإغلاق ملف الملف السوري بالاتفاق الأخير بين موسكو وواشنطن. وها هو اتفاق جنيف يطمئنها نسبياً لأنه يضع قيوداً على النووي الإيراني، برغم أنها كانت ولا تزال تطمح إلى إيقافه وتفكيكه تماماً كما حدث مع الكيميائي السوري.
÷ أسهم إيران في المنطقة العربية، خصوصاً في الخليج سوف ترتفع. وسوف ينعكس ذلك على سوريا والعراق ولبنان. وسيكون الخليج في موقف أضعف نسبياً في مواجهة طهران، خصوصاً أن بعض دوله دأبت على الاستقواء بالولايات المتحدة في مواجهتها. ينسحب ذلك على السياسة السعودية التي سبق أن خسرت رهانها على الدور الأميركي في قصف سوريا، وعلى تعزيز اصطفاف مجتمعات أهل السنة في مواجهة إيران.
÷ لا تزال هناك أسئلة مثارة حول مصير الحرب الطائفية بين السنة والشيعة في العالم العربي، وموقف إيران من دعم المقاومة الإسلامية في فلسطين ولبنان، ومستقبل العلاقات الراهنة بين القاهرة وطهران.
خلاصة الخلاصة أنه في معادلة موازين القوى الجديدة في العالم العربي فإن إيران تصدرت قائمة الفائزين، لكن العرب لم يرد لهم ذكر.
عن الشروق المصرية