خطاب الرئيس .. بشرى أم رشوة ..
تاريخ النشر : 2014-12-21 19:30

كتب حسن عصفور/ منذ مدة والإعلام الأمريكي والصديق له عربيا وغربيا، يروج حملة متسقة لخطاب سيتوجه به الرئيس الأمريكي للعالم الإسلامي اليوم (الخميس)، وتنشر الشائعات السياسية بلا حدود، غالبها المطلق لتزيين صورة الموقف الذي سيكون، وهناك بعض من الآمال لبعض أصدقاء واشنطن في البلاد العربية بأن يحمل لهم الخطاب ما يرونه بشرى تمنحهم طاقة السير على أرجلهم، بعد أن تهالكت من قسوة ضربات الأمريكي لهم في السنين الأخيرة، رغم الوعود الكثيرة، خاصة منذ خطاب الرئيس الأمريكي في جامعة القاهرة في يونيو – حزيران العام 2009، ذاك الخطاب الذي يوصم في عرف القانون السياسي بالخطاب الخديعة.. خطاب احتوى لغة جميلة بوعودها، وبعض مضمون سياسي، لم ينس به أن يمرر مواقف تنال من جوهر المشروع العربي للسلام، لكن لغة الخطاب وحيوية الرئيس في حينه جعلا من الإبهار سيد الموقف، حتى وصل الأمر لمعارضي التسوية السياسية بمختلف تصنيفاتهم ،بأن أعربوا عن إعجاب بجديد أوباما ومنتظرين ما يؤكد مصداقية الخطاب.. خطاب سيبقى في الذاكرة العربية طويلا كنموذخ من نماذج '' خطابات الخديعة السياسية'' ..

ولذا فالمنتظرون للخطاب يأملون جديدا، يساعدهم في مواجهة سياسية لقادم الأيام مع انتشار الحراك العربي، وتناسي كل أشكال الإحباط التي زرعها في ذاتهم سيد البيت الأبيض وخيبات الأمل التي أصابها بهم، كان نموذجها المباشر، تصريحات الرئيس الفلسطيني في أكثر مناسبة، حيث عبر خلالها عن إحباطه من الموقف الأمريكي وتحديدا فيما يتعلق بالنشاط الاستيطاني ووعود بمساندة الموقف الفلسطيني المعتدل في مواجهة التطرف الإسرائيلي، إلى جانب خيبة أمل بعض حكام بلادنا من 'الفرجة الأمريكية' على تناثر حكام ورؤساء كلمح البصر من 'ممالك الحكم' وكأنهم قشة قمح تطايرت.. كثيرة هي دلائل الخوف والإحباط التي تسكن 'فريق الصداقة الأمريكية' ..

ولكن، جديد الخطاب قد لا يكون في جوهرالسياسة الأمريكية، والتي لا يصنعها رئيس مهما بلغت قوته، ولو عدنا للوراء سنوات لوجدنا أن كل رئيس منذ نهاية السبعينيات تقدم بموقف ما نحو الشرق الأوسط، حيث عرض كارتر في حينه ومع أجواء مفاوضات كمب ديفيد 'حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير' ، وذهب كارتر ومعه ما قاله، ثم جاء ريغان بمشروعه عام 1982 المعروف بـ'مشروع ريغان' المستند إلى فكرة 'الكونفدرالية' مع الأردن ولكن ليس على أساس دولتين، ثم جاء بوش الأب بعد حرب الكويت العام 1991 وعرض عناصر مرجعية لمؤتمر مدريد ومنها انطلقت أول مفاوضات عربية جماعية مع إسرائيل بشقيها الثنائي والمتعدد، وأسفرت مدريد لاحقا عن بعض اتفاقات منها اتفاق أوسلو العام 1993 واتفاق وادي عربة العام 1994، وجاء كلينتون بوثيقته المعروفة بالإطار نهاية العام 2000، وانتهت بمجيء بوش الابن برؤيته المعروفة حتى الساعة بـ:حل الدولتين' ، وغادر البيت الأبيض والوضع السياسي أكثر تدهورا لصالح إسرائيل، وانتظر العرب مقدم أوباما بعهد جديد، اعتقدوا أنه سيكون في خطاب جامعة القاهرة، ولكن خاب ريحهم .. واليوم سيكون جديد الموقف في كيفية الاستخدام الأمريكي للمتغيرات العربية كي لا تبتعد عن 'الحلقة الأمريكية' ..

لن ينسى الرئيس الأمريكي مقتل بن لادن، حيث سترفرف فوق كل جملة من خطابه الجريمة المركبة التي ارتكبتها قواته ورمي جثة رجل مسن ومريض في مكان غير معروف لأحد، قيل بأنه بحر عمان، تلك الجريمة ستحضر كثيرا في الخطاب، وسيكرر كثيرا مقولة الفرق بين الإسلام والإرهاب، ويتلاعب بالتعاطي معها وفقا لرؤيته، محاولا بكل ما أمكن أن يدغدغ المشاعر تبريرا لجريمة لا تبرر أبدا، وسيحاول أن يبدو أميرا للتغيرات الثورية وينطق بكل ما يدعم حراك يرى فيه ما يتناغم والعواطف الشعبية العربية، وسيتحدث بلغة شديدة الوضوح ضد القذافي وبأقل منها ضد الرئيس صالح، وسيعرج على بشار الأسد وربما يجعله رئيسا فقد شرعيته السياسية، ويعلنه 'غير ذي صلة'، متجاوزا نصائح البعض الصديق له بألا يذهب بعيدا في القول السوري، لكن الضرورة السياسية قد تأخذه إلى مكان يبدو أبعد مما هو وإدارته به الآن..

ولن ينسى أن يتباهى إلى درجة الفخر اللامعقول بثورتي تونس ومصر وبطولة شعبيهما في القدرة على خلق نموذج يمكن أن يدرس لشعوب غيرها، سيكون شاعرا إلى حد الإبهار اللغوي في مصر وتونس وقدرة الشعوب على التغيير، وربما يعود لشعاره الانتخابي : نعم .. نستطيع، ستحضر حالة الإعجاب النادر بما حدث ووعود بما سيكون من تطلع ديمقراطي عربي جديد، سيقنع كل مستمع بأن أمريكا 'قائدة التغيير' العربي، وسيتجاهل الذاكرة الشعبية العربية كلية، التي تحفظ كما لا تحفظ غيرها، مواقفهم في تأييد ودعم كل أعداء الديمقراطية وحماية كل أشكال القهر العربي، وقبلهم سندهم المطلق لمحتل هو أكثر عنصرية من تاريخ أمريكا العنصر، بل وأنهم ما زالوا يحمون من تغيب عن بلادهم مظاهر بدائية للحياة السياسية التي ينشدها أهل تلك البلاد..

وقبل أن يبدأ الخطاب تفضلت علينا الصحافة العبرية ونشرت ما ترى أنه سيكون جوهر الموقف الأمريكي في الخطاب بما يخص الموقف من التسوية، وتحدثت عن سبع نقاط تبدأ بالانسحاب مع تعديلات مرورا بالاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، وتقسيم القدس إلى عاصمتين وأن الاستيطان يجب أن يتوقف ( لفترة التفاوض ربما)، مع ما قد يكون وصفا للاستيطان بأنه غير قانوني( وهذه عبارة أقل كثيرا من الموقف الرسمي التقليدي سابقا بأنه غير شرعي ، وقد لا يصل للموقف الأدنى ) ، ولن ينسى أن يؤكد رفضه المطلق لإعلان الدولة الفلسطينية من خلال الأمم المتحدة أو من طرف واحد( رغم أن القيادة الفلسطينية أسقطت هذا الخيار – خيار الإعلان من طرف واحد- قبل أشهر) ، ومعه سيؤكد ضرورة اعتراف الحكومة الفلسطينية القادمة بـ'نبذ العنف والإرهاب' والالتزام بشروط الرباعية ( البالية) ..

ولأن ما نشر يشكل إهانة سياسية غير مسبوقة، بأن يتم نشر مضمون خطاب لرئيس أمريكي في صحيفة إسرائيلية، سارع ناطق باسم البيت الأبيض لينفي ما جاء في الصحيفة وأكد أن واشنطن ليست معتادة بالتشاور مع أي طرف حول مضمون خطاب الرئيس، بيان يكشف مدى استخفاف الناطق الأمريكي بالعقل العربي، حيث نعرف جميعنا ومنذ عهد نيكسون – كيسنجر أن هناك تعهدا أمريكيا لإسرائيل بألا تقوم واشنطن ببحث أي قضية تخص الصراع العربي الإسرائيلي والمسألة الفلسطينية قبل التشاور مع تل أبيب، ذلك أحد ثوابت الموقف السياسي الأمريكي، لكن النفي جاء ليستر عورة كشفتها وسائل إعلام إسرائيلية، لكن النفي بذاته لن يغير من الأمر شيئا .. وسيكون جوهر الموقف ملتصقا بما عرف بالنقاط السبع..

وعليه، ماذا سيكون الموقف الفلسطيني – العربي في اليوم التالي للخطاب الأمريكي، وبعد أن تصدر التصريحات التي تتراوح في الترحاب بين الشديد جدا والشديد ومن ينتظر.. بعيدا عن حفلة التصريحات الأولية، كيف سيتم التعاطي مع المضمون السياسي، هل سنجد تعاطيا مختلفا يتم وفق دراسة الحاجة الوطنية وفق خيارات أقرت سابقا ، وعبر تنسيق عربي جاد يذهب لمضمون القضية وليست شكلها.

رغم الخداع الذي سيلف الخطاب وما سيحتويه من 'رشاوى'، لكن من المفيد أن يكون الرد عليه ردا متناسقا وبما لا يعطي مواقف مسبقة، بالتخلي عن خيارات سياسية ومنها خيار الذهاب إلى الأمم المتحدة، ليكن التعامل وفق تنسيق عربي وخاصة 'الثالوث السياسي' مصر والأردن وفلسطين، إن أريد أن يكون هناك مستوجب للرد على ما سيكون في 'خطاب الرئيس'..

ملاحظة: يبدو أن بعض أطراف المعارضة السورية وجدت فرصتها في مقالة ابن خال الرئيس بشار الآسد، رجل الأعمال الأبرز في سوريا رامي مخلوف، حول ( أن استقرار إسرائيل من استقرار سوريا) ، فسارعت لترتيب لقاء مع أحد أقطاب الليكود الإسرائيلي( أيوب قرا) .. لقاء طمأنة في ليالي فينا..

 

تاريخ : 19/5/2011م