المحادثات الفلسطينيّة ـ الإسرائيليّة... طريق بلا خريطة
تاريخ النشر : 2013-11-14 07:27
بات من الضروريّ تحديد المصطلحات المرتبطة بالأزمة الحاليّة القائمة ما بين السلطة الفلسطينيّة والحكومة الإسرائيليّة.
بدايةً، لا بدّ من توضيح الدلالات المرتبطة بهذه العمليّة في ضوء الدور الحصري الذي تلعبه الولايات المتحدة في إدارة المحادثات منذ أكثر من 20 عاماً. وبعدما زار جون كيري هذه المنطقة المأزومة سبع مرّات منذ توليه منصب وزير الخارجيّة الأميركيّة، بات توضيح المسائل القانونيّة مطلباً ملحاً.
وقد تعمّدتُ عدم استخدام مصطلح «مفاوضات» لأنني مقتنع تماماً بأن ما يحصل يمكن اعتباره مناقشات في أحسن الأحوال، لكنه بالتأكيد ليس مفاوضات. فمصطلح «مفاوضات» يشير إلى اتفاق متبادل حول النتائج ـ وهو أمر غير متوفّر اليوم - وعندئذٍ تتحوّل المفاوضات إلى الوسيلة المناسبة لتحقيق النتائج المرجوّة.
فمن الواضح ومن دون أي شك أنه لم تظهر قط أي إشارة واضحة في الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني تدلّ على حصول مفاوضات جديّة. ففي أحسن الأحوال، أثبتت المناقشات والحوارات وبحسب اعتراف الجميع، أنها بلا جدوى.
ويكمن سبب هذه المعضلة الرئيسي في أن إسرائيل لا تعترف ولم تعترف وعلى ما يبدو لن تعترف بأن الأراضي التي تسطير عليها هي أراض «محتلة» بحسب التعريف المحدّد في اتفاقيّة جنيف الرابعة. ومن الواضح أن إسرائيل لا تلتزم بأحكام هذه الاتفاقيّة، وذلك في ما يتعلق بالضفة الغربيّة والقدس الشرقيّة.
والسؤال الذي يطرح نفسه: ما هو الوضع القانوني لإسرائيل في الضفة الغربيّة والقدس الشرقيّة وقطاع غزّة؟
لقد تبين من خلال «عمليّة السلام» أن إسرائيل هي الجهة المدّعية المطالبة بالحقوق. ويتمّ تحقيق مطالبها بشكل تدريجي من خلال استمرار توسّع الاستيطان والمطالبة بالأراضي في غور الأردن بذريعة الضرورات الأمنيّة. وتُعتبر هذه المطالب قضيّة حقّ، ما يحوّل الأراضي الفلسطينيّة الواقعة تحت السيطرة الإسرائيليّة إلى أراض مهزومة لا محتلّة.
وقد حوّل غياب التعريفات الواضحة ما يسمّى بـ«خريطة الطريق» إلى طريق من دون خريطة.
إلى ذلك، في كلّ مرة كان كيري يزور فيها القدس في خلال الأشهر القليلة الأخيرة، كانت تسبق زيارته قرارات تقضي بإقامة مستوطنات إسرائيليّة إضافيّة وادعاءات بأن القدس لطالما كانت واحدة وعاصمة لإسرائيل.
وفي حال لم تعترف إسرائيل بأن الضفة الغربيّة هي أرض محتلة، فإن الاستيطان المستمرّ والزاحف يدلّ على أن إسرائيل تعتبر الضفة الغربيّة أرضاً مهزومة. ويشكّل هذا الأمر تحدياً خطيراً للمجتمع الدولي، وبالتالي لا بدّ للولايات المتحدة من أن تعكس عمليّة الاستعمار الواضحة هذه في الضفة الغربيّة وبقيّة الأراضي الفلسطينيّة.
أما في ما يخصّ غزّة، فإسرائيل تعتبرها «كياناً شرساً»، فريداً من نوعه. لذا، يصبح لزاماً على السلطة الفلسطينيّة أن تضمّ غزّة إلى أي محادثات ومناقشات تحصل أو إلى المفاوضات عندما يُصبح ذلك ممكناً. ويبدو أنّ إسرائيل حريصة على إبقاء غزّة كياناً مستقلاً في أي محادثات أو مفاوضات بشأن مستقبل فلسطين. لكن من الضروري ألا يتحقّق ذلك.
إنّ اتهام رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الفلسطينيّين بـ«الاستمرار في خلق أزمات مصطنعة، والاستمرار في التهرّب من القرار التاريخي الذي يجب أن يُتّخذ لتحقيق سلام حقيقي»، أمر يطرح أسئلة جديّة. ممّا تتشكّل «الأزمات المصطنعة»؟ هل يُعتبر الاعتراض على سياسة الاستيطان الزاحف في الأراضي الفلسطينيّة «أزمة مصطنعة»؟ هل الإصرار على أن تكون القدس الشرقيّة المحتلة عاصمة الدولة الفلسطينيّة المنتظرة «أزمة مصطنعة»؟ هل المطالبة بمنح اللاجئين الفلسطينيّين حقّ العودة «أزمة مصطنعة»؟ هل صحيح ما يدّعيه رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو بأنّ الفلسطينيين «يتهرّبون من القرارات التاريخيّة التي يجب أن تُتّخذ لإرساء سلام حقيقي»؟ ما هي «القرارات التاريخيّة» التي يعتبرها نتنياهو «ضروريّة لتحقيق سلام حقيقي»؟
للإجابة، إشارة إلى تذمّر رئيس السلطة الفلسطينيّة محمود عباس الذي قال في إطار حديثه إلى كيري في بيت لحم إن «المفاوضات لم تعطِ نتائج بعد». حسناً سيّدي الرئيس عباس، ما من نتائج لأنّ هذه ليست مفاوضات. منذ اتفاقيّة أوسلو تبيّن أنّها مجرّد مناقشات ومحادثات عديمة الجدوى!
إلى صديقي الرئيس عباس:
لا يمكن أن تبقى القضيّة الفلسطينيّة «في البرزخ» عالقة كما كانت. مع الصعود المحتمل لأفيغدور ليبرمان الذي أعلن القضاء الإسرائيلي براءته واحتمال عودته وزيراً للخارجيّة، يجب على السلطة الفلسطينيّة التي ترأسُها تفعيل القرار الذي اتخذته الجمعيّة العامة للأمم المتحدة في تشرين الثاني/نوفمبر 2012 والذي اعترف بشكل واضح لا لبس فيه بأن فلسطين «دولة تحت الاحتلال». هذا القرار الذي تتجنّب تنفيذه، هو القرار الذي يمكّنك والقيادة الفلسطينيّة من الحصول على حكومة قادرة على التفاوض، بدلاً من سلطة فلسطينيّة لا تنفكّ تناقش. عندها تصبح المفاوضات جادة. من دون ذلك، ما يجري هو ضرب من العبث غير المجدي.
هذه هي الطريقة الوحيدة التي ستخوّل الفلسطينيّين تحرير «عمليّة السلام» من المناقشات الجارية غير المثمرة والتي استمرّت لعقود عديدة، ما يجعل عدم التوصّل إلى نتيجة عادلة أمراً مستحيلاً.
إن العمليّة الأحاديّة الجانب التي تتولاها حصراً الولايات المتحدة، لا بدّ أن تستبدل بانضمام الولايات المتحدة إلى المجتمع الدولي لمساعدة الفلسطينيّين على تحقيق ما تمّ الإعلان عنه مراراً وتكراراً، أي التزامهم بحلّ الدولتين الذي يكرّس القدس الشرقيّة عاصمة للدولة الفلسطينيّة والسعي لاكتشاف السبب في عدم تحقّق ذلك منذ اتفاقيّة أوسلو وحتى يومنا.
ويبقى أنه ما زال من غير الممكن تفسير عدم تشديد المستشارين القانونيّين في وزارة الخارجيّة الأميركيّة على وجوب اعتراف إسرائيل بأنها قوّة احتلال وفقاً لما تنصّ عليه اتفاقية جنيف الرابعة، بحيث يصبح مصطلح «مفاوضات» تعريفاً واضحاً لعمليّة تتّجه نحو بلوغ النتائج.

مترجم عن Al-Monitor لـ«السفير»