الصّراع العربي الإيراني
تاريخ النشر : 2022-04-04 15:15

يتبادر إلى الذهن العربي وعلى الفور حينما يلامس سَمْعُه مصطلح الصراع، اسرائيل وكيانها الاحتلالي، فقد ارتبط هذا المصطلح ارتباطًا وثيقًا وجدانيًّا وعقليًّا بالجريمة الكبرى الذي ارتكبتها الصهيوأميركية العالمية بحقّ العرب باحتلال قلب الأمّة فلسطين، ثم سيناء المصرية والجولان السورية، وأضحى مفهوم الصراع جزءًا من الثقافة العربية والإسلامية، ومرجعًا لطبيعة العلاقة مع المحتل .

شكّل هذا المفهوم حاملًا سياسيًا للصّراع العربي الإسرائيلي إلى وقت قيام الثّورة الإيرانية ووصول الخميني للحكم 1979، فبدأت مرحلة من الضبابية تُخيّم على مفهوم الصراع العربي الإسرائيلي، التي لم تكن قائمة في ظلّ حكم الشّاه لإيران، وذلك بسبب الخطر الذي مثّلته الاستراتيجية التي تبنّتها إيران الخميني، القائمة على التمدد الشيعي وتصدير المذهب فقهيًّا وفكريًّا وسياسيًّا، لتمرير نظرية الخميني حول ولاية الفقيه للعالم الإسلامي، ونمو إمبراطورية شيعيّة على غرار الإمبراطورية الفاطميّة، مهتدية بوسائل التّسلل الفاطمي الشّيعي للمجتمعات السّنية، ومتقمّصة تكوينها النفسي والأيديولوجي الذي لا يقبل الحلول الوسط، فشكّلت هذه الاستراتيجية الشيعية الإيرانية الخمينية هاجسًا لدى العرب وخاصّة دول الخليج وفي مُقدّمتها العربيّة السعوديّة، والتي تعتبر أنّ رابط الدين الإسلامي الحنيف الخالي من المذهبية هو الأساس الذي قامت عليه الدولة، وهو سر بقائها .

سيطرة تلك الأفكار أدّت إلى الانقسام في العالميْن العربي والإسلامي، وأصبح من غير السهل ضبط المسافة الأيديولوجية بين إيران والعالم الإسلامي، وأضحى الصراع مع إيران صراع وجود لا صراع حدود، والخصومة مع المشروع الأيديولوجي الإيراني وليس مع الدولة بمفهومها السياسي، وبات الصراع يحتلّ أولويّة عربيّة، وفي إطاره نشَبَت حالة من العداء تخلّلتها حروبًا ضارية في محاولة لِلَجم التمدد الإيراني، إلا أنّ إيران نجحت في اختراق بعضًا من العواصم العربيّة، وأنشأت أذرعًا عسكريّة تابعة لها في عواصم أخرى .

هيّأت حالة العداء الإيراني للعرب أجواء ومناخات ملائمة لواشنطن واسرائيل لإذكاء هذه المعركة، وإمدادها بكلّ وسائل التأجيج، وعلى سبيل المثال لا الحصر صفقة إيران جيت العسكرية في عهد الرئيس الأميركي رونالد ريغان، أثناء الحرب العراقيّة الإيرانية وتزويد كلا الطرفين بإحداثيات خطأ في مسرح العمليات العسكرية في حينه، وحرَصَتا على إطالة هذه الحالة وتغذِيتها بقرارات سياسية وعسكرية وأخرى قائمة على الكيْل بمكياليْن وازدواجيّة المعايير في كافّة المناطق السّاخنة بين الطرفين .

ثمّة أسباب أخرى ساهمت في زيادة الهُوّة بين العرب وإيران، تمثّلت في اتّباع الإيرانيين منهج الخصم كقاعدة أساسيّة لتعاملها مع العرب، فأحدثت أزمة ثقة عربيّة بإيران أفقدت العرب القدرة على ضبْط التوازن بين إيران الدّولة ونظريّة ولاية الفقيه، ومن الأسباب أيضًا ظهور التنظيمات المتطرّفة مجهولة الهوية الفكريّة والحاضنة السياسيّة، والتي عزّز ظهورها أسباب نزع السّلام الديني، مما ساهم في طَفْو مفهوم العداء والصراع على السّطح بين الطرفين، فزاحم الصراع مع ايران بقوة الصراع مع دولة الكيان .

لم تتوانَ واشنطن واسرائيل في استغلال هذه البيئة الخصبة، فعمِدتا إلى تصدير فكرة التّحالف مع اسرائيل للتصدي للعدوّ الإيراني، ومهّدتا لذلك بتوقيع الاتّفاقية الإبراهيمية كخطوة متقدّمة في بناء التحالف ستتبعها خطوات أخرى، على غرار قمّة النقب، والتي ستنضم إليها دول أخرى في المستقبل القريب، وستكون تركيا هي المرشّح الأقرب للانضمام إليه، بعد تسوية الخلافات التركيّة الإسرائيلية والتركية المصريّة، ضمن رؤية نشر الديانة الإبراهيمية في المنطقة العربية .

في ذات الحين تعمل أميركا بكل طاقاتها للعودة للاتّفاق النووي مع إيران، لإِفساح المجال أمامها لاستعادة قوّتها الاقتصادية، لتزيد من قدرتها وإمكانياتها لمواجهة العدوّ العربي، لترسيخ فكرة بناء التحالف الإسرائيلي العربي في مواجهة الخطر الإيراني.

يُخطئ من يعتقد أنّ المحاولات التي تبذلها الحركة الصهيو أميركية لتحويل بوْصلة الصّراع في الشّرق الأوسط عن اتّجاهها الصحيح، وإحلال مصطلح الصّراع مع إيران بديلًا عن الصّراع مع اسرائيل، استغلالًا للأطماع الإيرانية في المنطقة لإحياء الهلال الشّيعي على حساب الوجود العربي، ولتقاطع الأهداف الإيرانية في محطّات كثيرة مع أميركا، أنها محاولاتٌ كفيلةٌ بتعبيد الطريق أمام قيام اسرائيل الكبرى، وبسط هيمنتها على المنطقة العربية، فهؤلاء واهمون حالمون، فالاحتلال الاسرائيلي شجرة خبيثة ليس لها قرار، لن تحيا في فلسطين، ولن تزهر على أرض العرب، ولن يكون لإسرائيل أو غيرها من أصحاب الأطماع الإرثية والمذهبيّة موطئًا لقدمٍ فيها، وستبقى فلسطين، والمنطقة العربية عصيّة على الكسر، والصخرة التي تتحطم عليها تلك الأحلام العابرة .