بيت أمّر تودّع أميرين
تاريخ النشر : 2021-08-02 07:42

الشهادة هي أعلى درجات التضحية والفداء.

التضحية بالنفس، بالدم، بالروح، بالحياة فداء للوطن.

والشهداء هم الأعلى مرتبة، الأسمى منزلة، عند الله سبحانه وتعالى.

يُحشرون مع النبيين والصديقين والصالحين والأتقياء الأنقياء.

"ولا تحسبنّ الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتا بل هم أحياءٌ عند ربّهم يُرزقون"، صدق الله العظيم.

بلدة بيت أمّر الجنوبيّة، المُحاذية شمالا لمدينة الخليل، الوادعة الحالمة، التي تربض كلبؤة مُتوثّبة فوق هضاب "مدبوزة" بأشجار التفاح والدرّاق والأجاص والكرز والمشمش وبكروم العنب، كانت على موعد مع الشهادة، على موعدٍ مع الأحمر القاني، على موعدٍ مع طيور الجنّة، على موعد مع رائحة المسك والعنبر.

شهيدان أمّريان أميران سقطا على ثرى بيت أمّر في نهاية شهر تموز المنصرم وشيعت جنازتيهما تباعا يومي 29 و30 تموز.

سيل هادر من البشر، من الشباب الفلسطيني الغاضب، شارك في جنازة الطفل محمد العلامي، لا يتجاوز عمره العشر زهرات، قتله جنود الاحتلال غيلة وغدرا وخسة ونذالة وهو في السيارة إلى جانب والده وأطفال أقارب آخرين.

اخترقت رصاصات الغدر الصهيونية مُجسّم السيارة الحديدي واستقرّت في جسده الغض الساهي الغافل، دون أي ذنب اقترفه إلا كونه فتى فلسطينيّا يُعتبر هدفا طبيعيّا مُفضّلا وسهلا لنزق وغطرسة جنود الاحتلال.

شهيدٌ يُؤبّن شهيدا، شوكت عوض، ذي العشرين ربيعا، يقفز كالفهد في جنازة محمد العلامي ويُمطر جنود العدوان الإسرائيلي بوابل من الحجارة انتقاما وانتصارا لابن بلدته الشهيد الطفل.

 عيون الجنود تراقبه وتميّزه عن أترابه راميي الحجارة، جسورٌ مقدام، يتحرّك في جميع الإتجاهات، ويُباغت الجنود من جميع الزوايا و"القٌرن".

عيون جنود الإحتلال ورشّاشات القنص تُتابعه دقيقة بدقيقة، لحظة بلحظة، طلقة بطلقة، تُصيبه طلقة فيخرّ مُخضّبا ثرى الوطن بدمائه، ليلحق بالطفل محمد وليشدّ من أزره في جنّات الخلد.

شابٌ يرتقي بعد طفل، أمير يرتقي بعد أمير.

جنازة مهيبة لشوكت تخترق شوارع البلدة وحوارييها.

جنازة تؤبّن جنازة، جنازة تتبع جنازة، شهادة اليوم تتناغم مع شهادة الأمس. أقدام الرجال اليوم والأمس تتزاحم في تشييع الشهيدين، في وداع الأميرين.

بلدة بيت أمّر، وتعود أصل تسميتها إلى "بيت الأمراء"، منبعٌ، منبتٌ، منهل، مخزن للبطولة والشهادة والفداء.

شلّال الدم المُنهمر من عروق شباب ورجال بيت أمّر لم يتوقّف تدفّقه على مدى سنوات الإحتلال الطويلة، فقد سقط فيها ومنها أكثر من 75 شهيدا خضّبوا بدمائهم الزكية ثرى الوطن، كان آخرهم الأميرين محمد وشوكت.

يوسف العوادي الناشط الفتحاوي، الذي أعدمه جنود الإحتلال عند مدخل البلدة بعد جداله معهم، عاجله أحد الجنود بطلقة من مسافة صفر في الرأس وهو مرفوع الرأس.

هاشم أبو ماريا، قيادي في الجبهة الشعبية، قنصه جنود الإحتلال في مظاهرة شارك فيها انتصارا لغزة في العدوان الإسرائيلي عليها عام 2014، وقد سقط إلى جانبه الشهيدين عبد الحميد ابريغيث وسلطان الزعاقيق.

ثلاثة شهداء في زمان واحد في المكان ذاته من البلدة نفسها.

عاهد اخليّل الذي سقط شهيدا على دوّار عصيون "دوّار الموت"، قبل حوالي العام، وما زال جثمانه مُختطفا لدى سلطات الإحتلال وترفض الإفراج عنه.

والقائمة تطول.

والبطولة والفداء معينها لا ينضب.

يزداد جنود الإحتلال قمعا فيزداد شباب فلسطين مُقاومة وجهادا.

يزداد جنود الإحتلال غطرسة فيزداد شباب فلسطين عنفوانا.

يزداد جنود الإحتلال قباحة فيزداد شباب فلسطين تألّقا وجمالا.

رحم الله شهداء بيت أمّر وشهداء فلسطين،

والمجد والخلود لهم جميعا.

كاتب ودبلوماسي فلسطيني