انقسام اليهود الأمريكيين.. وتغيير المعادلات السياسية
تاريخ النشر : 2021-05-18 13:11

تحت ضغط جزء من الشارع الأمريكي الغاضب من استمرار الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، بات ما كان محرماً في أروقة السياسة الأمريكية بالأمس جائزاً اليوم؛ ففلسطين التي كانت كلمة ممنوعة من التداول لأعوام طويلة في الكونجرس، لم تعد كذلك، بل أصبحت اليوم موضوعاً أساسياً تلتف حوله التكتلات والتوجهات من كافة الأطياف السياسية، وبالنسبة لمن يقودون موجة الغضب في الشوارع الأمريكية، مثل حركة «حياة السود مهمة» وغيرها، فإن الحقوق الفلسطينية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمشكلاتهم الاجتماعية، وتذكرهم بسوء تعامل الشرطة، وظروف المهاجرين على الحدود الأمريكية - المكسيكية، وغيرها من الملفات والقضايا الداخلية.

تاريخياً، وفي عام 1988، حاول جيمس زغبي، وهو أكاديمي أمريكي من أصل لبناني ومؤسس المعهد العربي الأمريكي، إقناع الديمقراطيين بإدراج أي إشارة إلى السيادة الفلسطينية في برنامجهم الانتخابي، حينها رد عليه قادة الحزب قائلين: «إذا وردت كلمة الفلسطينيين في البرنامج، فسوف يفتح ذلك عليهم أبواب الجحيم»، ولحرصهم على تجنب مواجهة غاضبة في المؤتمر، نُحِّيت القضية جانبًا دون تصويت، والآن، ومع ممارسة الصهاينة أبشع أنواع القتل والتدمير تعود القضية الفلسطينية إلى واجهة السياسة الأمريكية، مفجرة انقسامات واضحة بين قيادة الحزب الديمقراطي التي تعتبره تحديًا دبلوماسيًّا يشمل حليفًا راسخًا، بينما ينظر التيار اليساري داخل الحزب إلى الصراع على أنه قضية عدالة وعنصرية شديدة الارتباط مع سياسات الولايات المتحدة ضد الفلسطينيين.

أصبح الجناح اليساري في الحزب الديمقراطي أعلى صوتاً بشكل متزايد في انتقاد ما يرى أنه عدم تناسق صارخ في تطبيق قيم الحرية والكرامة والأمن والازدهار، وليس من الواضح أي نوع من التأثير السياسي سيكون لهذا الأمر؛ ذلك أن المشرعين الذين يتحدّون موقف الديمقراطيين التقليدي المؤيد لإسرائيل قد لا يميلون إلى مواجهة مع بايدن لأنه دافع عن قضاياهم الرئيسية في مجالي الاقتصاد والمناخ، لكنهم يدفعون صوب تطبيق المعايير العالمية لحقوق الإنسان والقانون الدولي على الفلسطينيين، فهم يدعون الإدارة إلى استخدام 3.8 مليار دولار من المساعدات العسكرية السنوية لإسرائيل كوسيلة لتحقيق تلك الغاية.

في المجمل، يعكس الجدل الدائر داخل الحزب الديمقراطي انقسامًا طويل الأمد بين اليهود الأمريكيين، وهم جماعة ديمقراطية وعلمانية في الغالب، وينخرطون في صراع خاص بشأن كيفية النظر إلى التوترات الإسرائيلية الفلسطينية، بينما يرى جيل أقدم أن إسرائيل شريان حياة أساسي وسط تزايد معاداة السامية، في حين يكافح الناخبون الشباب للتوفيق بين السياسات اليمينية للحكومة الإسرائيلية وقِيَمهم الليبرالية، وعلى مدار العقود الماضية، قدم كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري دعمًا شبه كامل لإسرائيل، مع اعتبار كلمات مثل «الاحتلال» و«فلسطين» بعيدة عن النقاش المقبول في واشنطن الرسمية، لكن الديمقراطيين اليساريين لم يعودوا يخجلون من مثل هذه المصطلحات.

خلال الأشهر الأربعة الأولى من توليه منصبه، كرَّس الرئيس جو بايدن القليل من الاهتمام للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وهي قضية مستعصية أربكت أسلافه، لكن أعمال العنف الأسوأ منذ سنوات، أثبتت مدى صعوبة ذلك، إذ تتعرض إدارة بايدن لضربات من قوى متصارعة داخل تحالفه، ومع اندلاع القتال، اعتمد بايدن على التكتيكات المألوفة والكلاسيكية، فتحدث هاتفياً مع نتنياهو ومحمود عباس، في المقابل، يجادل بعض اليهود التقدميين بأن انتقادهم لإسرائيل هو بدافع الحب، إذ يعتقدون بأنه من الحكمة أن تخفف الحكومتان الإسرائيلية والأمريكية من نبرتهم الحزبية، وتجاوز "الخيار الخاطئ" بأنك إما أن تكون مؤيدًا لإسرائيل، أو مؤيدًا للفلسطينيين.

دفعت الغارات الجوية المجنونة ضد الفلسطينيين بملف الشرق الأوسط إلى أجندة بايدن، ليبقى التساؤل حول ترجمة تأكيده عن أهمية حماية حقوق الإنسان الفلسطيني، فيما تكشف الغارات عن مدى تغلغل اليمين الإسرائيلي في القدس خلال فترة حكم الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، وقد تدفع الاضطرابات الراهنة إدارة بايدن إلى الانخراط بشكل أعمق في الصراع طويل الأمد حتى بعد انحسار موجة القتال الحالية، وهو احتمال يحاول بايدن وكبار مستشاريه تجنبه، محاولين بهدوء استعادة بعض عناصر السياسة الأمريكية التي اختلت بسبب موقف إدارة ترامب المؤيد لإسرائيل بلا خجل.