عروس البحر
تاريخ النشر : 2021-02-28 23:19

منذ أن تغيب الشمس وتسقط في البحر ويعم الظلام في المدينة احس بالخوف من القادم في الليل فقد تمكنت من عقلي الباطن حكاية الغولة التي تخرج في الليل كما شاعت كخرافة في الموروث الثقافي الشعبي لتبحث عن ضحاياها من الأطفال الصغار اما الكبار فتسحرهم بجمالها فتتزين لهم وتجعلهم يركضون ورائها حتى البحر وعند ذلك يقال عنها هذه عروس البحر..كل العجائز في حارتنا التي كانت تغطي مساحات كبيرة منها الحقول الكثيفة وشوارع الصبار والعوسج الضيقة الموحشة البعيدة عن العمران تشهد بذلك وكنت مشتاقا متلهفا كغيري من الأطفال لسماعها خاصة في ليل الشتاء البارد و في ذات ليلة مظلمة وعاصفة حيث الرياح هبت عاتية تتمايل من جرائها ذوائب الشجر ذهبت إلى بيت جدتي

وعندما دخلت وجدت الشيخ مصطفى صاحب كتاب اي روضه بلغة العصر الان لتعليم الأطفال الصغار قبل دخولهم السنة الأولى الابتدائية.. وجدته في مواجهتي رجل متوسط الطول عريض الكتفين كان يرتدي جلبابا ويضع على رأسة عمامة قالت جدتي : وكنت بجانبها قرب الموقد الذي يشع منه الدفء في الغرفة لقد خرجت الغولة ذات ليلة حالكة الظلام للزهري احد رجال الحارة الكبار على شكل عروس ترتدي فستانا ابيض اشبه بثوب الزفاف وتضع على رأسها طرحة بيضاء وقد اخفت قدميها وهما اشبه بقدمي حمار بذلك الثوب الفضفاض وقد لحق الزهري بها يريد جاهدا أن يمسكها بيديه ويلامس جسدها حتى اوصلته للبحر دون ذلك

وهناك اختفت في حين عاد الزهري إلى شارع الصبار الموحش التي طلعت منه الغولة مهووسا اشبه بالذي فقد عقله .. وقالت جدتي أيضا الحاجة عيشة وهي تقلب جمرات الفحم في الموقد وتجذب يد الشيخ مصطفى إليه كي يشعر هو الآخر بالدفء أن " أبو غوش" وهو رجل من كبار السن أيضا في الحارة قد خبأ ذات مرة بنت الغولة الصغيرة التي مرت ذات ليلة مظلمة وباردة قرب بيته حماية لها من الكلاب والذئاب المتوحشة التي كانت تجوب شوارع الحي الضيقة المعتمة في ظلام الليل وحين علمت الغولة الأم بذلك أخذت تنادي عليها وكان سكان الشارع يسمعون نداءها وبكاءها.. بعضهم رأها من النافذة وهي تصرخ وقد ساورهم الخوف من أن تقتحم بيوتهم لكنها لم تفعل ذلك

وجاءت بعد ذلك لتدق على الباب في طلبها وقد خاف ابو غوش فتح الباب في أول الأمر ولكنه فتحه بعد ثلاث خبطات قوية هزت البيت كله .. الغريب في الأمر هو أن الشيخ مصطفى وهو معلم أطفال وكان أهل الحارة ينادوا عليه بكلمة الأستاذ كان هو الآخر يستمع بشغف كبير إلى حكايات جدتي عن الغولة والليل وعروس البحر وقبل مغادرة الغرفة لم يعترض غاضبا.. لم تستوقفه الكلمات والوقائع ويقول هذه الحكايات عن الغولة مجرد خرافة واساطير شعبية قصص من الخيال لا دور للحقيقة فيها .

".لماذا لا تتكلم ياشيخ مصطفى عن ذلك بوضوح لقد تركتني وحيدا ارتعش من الخوف" وهكذا تركت الغرفة الدافئة بعد خروج الشيخ مصطفى لتنام جدتي لوحدها مع حكاياتهاعن الغولة والليل وفي العودة إلى البيت من الطريق الموحش المسيج بالصبار والتي تجوب به الكلاب وبن اوي وتختفي فيه الأفاعي في فصل الشتاء كنت متوترا وقلقا وكان أيضا قلبي يدق بعنف و كنت أيضا انظر بين الفينة والأخرى إلى الوراء ملتفتا تحسبا من خروج الغولة كما طلعت ذات ليلة مظلمة وباردة للزهري حين كان عائدا إلى بيته في آخر الزقاق المعتم المليء باعشاش العصافير وبيوت النمل وقد لحق بها إلى البحر امرأة جميلة بوجه ابيض عريض ترتدي قميصا رقيقا احمر يسفر عن صدر ناهد و ذراعين مكتنزين