زروني كل سنة مرة
تاريخ النشر : 2020-12-10 17:41

أحببت صوت فيروز الملائكي منذ الصغر وجدت فيه دفء العلاقات الإنسانية والعاطفة الجياشة في الحب و الحنين والتعلق في الاماكن العتيقة في الوطن والطبيعة كما في اغاني ورقو الأصفر شهر أيلول وجسر اللوزية وزهرة المدائن التي جاءت كرد فني غنائي عاطفي على احتلال القدس الشرقية وكثير أيضا من أغانيها التي تطرب السمع و تشيع البهجة في النفس.

وأذكر أن اول ما سمعت من أغانيها الجميلة كانت اغنية زوروني كل سنة مرة اغنية لامست قلبي في تلك اللحظة بلحنها الموسيقى العذب ومفرداتها التي توحي بلوعة الاشتياق والغربة وقد ارتبطت في ذاكرتي بيوم عرس اختي الكبيرة لحظة أن هبت رياح الفراق في ذلك المساء الخريفي و اخذتها إلى مكان آخر بعيد في المدينة.. يومها جاءت سيارة بيضاء مزينة بالورود وبالشرائط الملونة لتقلها إلى بيت الزوجية الجديد مباشرة حيث لم تكن صالات الأفراح في ذلك الز من قد وجدت على شاطيء بحر غزة بل كانت الأعراس تقام في البيوت وتحييها نساء نوريات تسمى "بالجناكي" ..بعد العصر وقفت السيارة على الباب وورائها عدة سيارات أخرى وكان ابي ورجال من العائلة من البيوت المجاورة واقفين في انتظارها و اول مرة كنت أرى ابي يمسح دموعه في وقت انطلق رصاص أكثر من مسدس في الهواء اظهارا بالفرحة بخروج اختي ببدلة الزفاف والطرحة البيضاء على رأسها اما هي فقد اجهشت بالبكاء حين انطلق صوت فيروز من مذياع السيارة المزينة بأغنية زروني كل سنة مرة حيث احست اختي حينها بلوعة الفراق عن الأسرة والجيران و بنات الشارع خاصة فريال بنت معلمة المدرسة الابتدائية الابلة انعام عندها اغرورقت عيناي انا الآخر بالدموع و انا ارى اختي الكبيرة التي كنت متعلقا بها في البيت تخرج منه الي بيت آخر بعيد وهكذا منذ ذلك اليوم كلما اسمع تلك الأغنية اتذكر يوم عرس اختي الكبيرة التي رحلت قبل عام عن عمر يناهز الثمانين عاما.. اتذكر يوم ان جاءت السيارات إلى بيتنا وأطلقت ابواقها والتف حولها الاولاد الصغار و الصبية الذين جاءوا مسرعين من الأزقة المجاورة.. في تلك الليلة ليلة العرس كانت أمي فرحة مزهوة رأيتها وهي ممسكة بشمعتين بلونهما الأبيض كبيرتين مشتعلتين ترقص أمام اختي وما أن سمعت من إحدى النساء عبارة العروس طالعة حلوة لأمها حتى انطلقت من حولها الزغاريد .. زغاريد المباهاة بجمال امي وجمال اختي العروس أيضا وكان العريس بجانبها يبدو انيقا ببدلته السوداء وقميصه "البارلون" الحريري الناعم الأبيض ورباط عنقه الأحمر..أما عمتي ام روبين فقد كانت نجمة عرس تلك الليلة بلباسها الزاهي وبعلبة سجائرها الفضية وبلهجتها الناعمة بسبب إقامتها الطويلة قبل عام 48 في يافا بحي العجمي.

كانت عمتي ام روبين تتنقل من مقعد إلى آخر تتطلع في الوجوه وتتفرس في الملامح لعلها تجد عروس جميلة كاختي لابنها عبد الكريم الذي يعمل مصوراتي في السعودية كما وجدت قبل ذلك عروس. لروبين المقيم في الكويت وكلما تقعد على مقعد جديد تشعل سيجارة وتأخذ نفسا عميقا منها وتقول : أين النوريات الجناكي وعندما تساءلت بهذه العبارة آخر مرة طلت اختي العروس ببدلتها البيضاء بصحبة الجنكية النورية سماهر فانطلقت مرة أخرى الزغاريد من كل اتجاه. 

ليلة جميلة رقصت فيها النساء والصبايا والجناكي النوريات الثلاث واحدة منهن تدق على الطبلة والثانية تدق على الدف والثالثة تغني وتتمايل أمام العروسين و كانت في مواجهتي انشراح من بنات العائلة بوجهها الأبيض وشعرها الأشقر وعينيها الزرقاوين وكانت ترتدي فستانا عنابي وتلف على رقبتها شالا خفيفا احمر وقاية من برد الليل وقد بقيت مع امها حتى الفجر.وانفضاض العرس.. كبرت انشراح وكبرت انا وسافرت للجامعة عام 64 وحين اردت الزواج بعد تخرجي عام 68حالت حرب يونيو 67 بيننا لاتزوج انا في الغربة وتتزوج هي في غزة وحين عدت إلى الوطن بعد ثلاثين عاما كنت في الخمسين من عمري ماتت امي بعدها بسنوات وقبلها بسنوات كثيرة مات ابي ومات العريس قبل العروس وماتت عمتي الأنيقة ام روبين كما مات الساىق ابن عمي عاشور الذي كان مذياع سيارته ألمزينة التي اقلت اختي يوم عرسها ببث الأغنية.. اما انشراح التي ما زالت في ذاكرتي فتاة صغيرة بشعر أشقر وعينين زرقاوين وفستان عنابي فقد ماتت هي الأخرى قبل عام لاشعر وانا أقدم العزاء لأبنائها و زوجها بالحزن العميق ولم يبق الان من أشخاص ووقائع ذلك اليوم السعيد والليلة الجميلة يصدح في الهواء سوى الصوت الملائكي صوت فيروز وهي تقول زروني كل سنة مرة..؛؛؛