انا والكوفية (نص قصصي)
تاريخ النشر : 2020-11-20 22:41

 تفتحت عيناي على روية الكوفية معلقة في صدر الغرفه في البيت بجانب سيف جدي الطويل الملون غمده بحبات الخرز وقد ورثه ابي عن أبيه وكذلك بجانب أيضا صورة الحاج امين الحسيني مفتي فلسطين فقد كان أبي يعتمرها كغطاء على راسه الذي يكاد يخلو من الشعر وكذلك اخوالي الثلاثة يرتدونها على رؤوسهم خاصة اصغرهم سنا ابو صقر الذي كان يضع العقال الأسود مائلا على جهة اليمين وذلك ابرازا لفتوته وشجاعته اما اخي الكبير وأبناء العائلة والشارع والكثير من الشباب فقد كانوا في تلك الأيام يلفونها حول رقابهم في فصل الشتاء حيث برد قطاع غزة القارس في الليل.. حين سافر اخي إلى السعودية في عام 58 من القرن الماضي كمساعد صيدلي في وزارة الصحة وعاد في أول إجازته الشهرية في فصل الصيف كانت اغلب هداياه التي حملها إلى رجال العائلة الكبار هي الكوفية البيضاء الشفافة التي كان يطلق عليها حطة الكاز.. في بعض المرات وانا عائد قرب المغرب بصحبة زميلي في الفصل الثالث ثانوي وصديقي سمير بعد مذاكرة الدروس في جولة مشيا على الأقدام من الخط الشرقي قرب خط الهدنة مع الكيان إلى البيت خلف مسجد الايبكي كنا نمر على مقهى العم سعدي ابو محمد وأخيه مسعود ابو عرفات القريب من "الصنافور " الذي كان يغلق طريق صلاح الدين حين يأتي القطار القادم من مصر.. في مرورنا نلتفت إلى المقهي المزدحم دائما بالرجال حيث صوت المذياع الكبير ودخان السجائر والاراجيل فلا نرى بداخله عبر بابه الخشبي الكبير المفتوح على مصراعيه سوى رؤوس الزبائن المغطاة بالكوفية. بمختلف ألوانها البيضاء والزرقاء والحمراء ونادرا ما نرى رأسا عاريا بدونها . غادرت غزة قبل عدوان عام 67 وعدت إليها بعد ثلاثين عاما من الغربة القسرية لأجد الكوفية التي كانت تلازمني في اقامتي وترحالي كواحدة. من قطع الملابس مطوية بعناية في ركن من حقيبتي الجلدية الكبيرة لاجدها وقد توارت من الأماكن العامة ومن المناسبات فلا يرى المرء إلا قليلا من الرجال يرتدونها وهي التي كانت محل محبتي وكنت انظر إليها وهي على رؤوس الرجال فاشعر بسعادة الانتماء للأرض والتعلق بالتراث والبعد عن الاغتراب الحضاري وفظاعة واستهجان ما أقدم عليه مصطفى كمال اتا تورك حين طلب من شعبه عدم ارتداء الطربوش وهو غطاء الرأس التركي واستبداله بالقبعة الأوروبية .. في تجوالي في بلدان المشرق العربي كنت أينما سرت اراها بشغف في شوارع عمان ومقاهي دمشق وأسواق بغداد ومحلات جدة ومكة والطائف وحين التحقت بصفوف الثورة الفلسطينية بالأردن عام 69 من القرن الماضي لففتها بلونها الأزرق على رقبتي... قبل فجر ذلك اليوم الذي غادرت به غزة وقف ابي وامي واخواتي على الباب في انتظار سيارة الأجرة التي ساستقلها إلى القاهرة وكان البرد وقتها قاسيا والسماء ملبدة بالغيوم وصوت برق يتناهي إلى مسامعنا من بعيد وما أن وصلت السيارة كوحش خرافي يركض في الظلام ورأت امي السائق ابو سمير وقد وضع على راسه الكوفية وأيضا اثنين من الركاب يلفونها على رقابهما حتى دخلت مسرعة إلى الغرفة لتأتي وفي يدها كوفية ابي المعلقة على المسمار بجوار عقاله الأسود وبحركة سريعة لفتها على رقبتي بعدها بلحظة مشت السيارة تشق طريقها إلى القاهرة وانا طيلة الطريق لا اسمع الا صوت امي ولا اتحسس الا كوفية ابي..