( دكان ايام زمان ) - (نصوص قصصية)
تاريخ النشر : 2020-11-06 20:27

لم أعد اري. اليوم الدكاكين الصغيرة في مدينة غزة وفي غيرها من مناطق القطاع. حيث تكاد رؤيتها تختفي من حياتنا اليومية. وفي وقت يشهد فيه الناس إقبالا كبيرا على شراء الحاجات الاستهلاكية المختلفة من محلات السوبر ماركت والمولات الكبيرة. ... دكاكين ايام زمان صغيرة كانت تملأ الأحياء و.تجدها في كل مكان في الشوارع الترابية وفي الأزقة الضيقة. وبعد صلاة العشاء يقفل أصحابها الطيبين البسطاء أبوابها الخشبية بمفاتيح كبيرة ويعودون إلى بيوتهم فرحين بما رزقهم الله من؛ المال الحلال ... دكاكين ايام زمزن صغيرة واذكر منها في الحي قرب مسجد الايبكي دكان ابو الشيخ والحنجوري والزهري وسالم العروج وأخيه الجدع وكلها مليئة بالبركة بعيدة عن الجشع والاستغلال وارتفاع الأسعار لذلك كانت دائماً مليئة بالزبائن. من. كل. الأعمار حيث يجد فيها الإنسان حاجته الضرورية من الرز والسكر والملح حتى الكاز الأبيض . .... في الشارع قريبا من البيت كنت أمر كل يوم من أمام دكان العم ر:شدى رحمه الله الصغيرة المعروفة. للناس خاصة تلاميذ المدارس الذين يمرون من أمامها في الصباح. وفي عودتهم يشترون منها ما ترغبه نفوسهم من انواع الشيكولاته والقضامة وبذر البطيخ وكان العم رشدي الذي يدعو الله دائما بالرزق الحلال يعرفهم.واحدا واحدا فهم من أبناء الحي و الشارع والازقة القريبة .. بعد عصر كل يوم خاصة في فصل الصيف. حيث النسمات. الباردة. تهب في الشارع كان العم رشدي يرش الأرض أمام الدكان بالماء..ويأتي بكراسي القش الصغيرة وكان خالي الشيخ مصطفى أبو كمال رحمه الله وهو رجل هاديء وقور ويتابع ما تبثه. الإذاعات من أخبار سياسية. اول القادمين فيستقبله العم رشدي مرحبا بكلمة استاذ لكونه صاحب كتاب صغير في البيت يعلم به اولاد المنطقة الصغار بعد ذلك يسأله عن الأخبار التي سمعها في الراديو من محطة. صوت العرب وفي أجوبة خالي. الشيخ مصطفى ما تدلل على تعاطفه الكبير مع. الجزائر مثل باقي الناس والتي كانت في تلك الأيام تخوض حرب التحرير وكانت إذاعة صوت العرب تغطي أخبارها اولا بأول وكات أكثر ما يثير حماسه تعليق أحمد سعيد ..يتوالى بعد ذلك وصول الاصدقاء إلى الدكان وكان أكثرهم دواما على حضور جلسة. المساء الحاج يوسف . ذات مرة قال الحاج يوسف وهو يعمل في البناء إن دورية عسكرية بريطانية اوقفته مع اثنين من العمال عند جسر المقدمة شرق مدينة غزة وطلبت منهم رفع أيديهم للتفتيش؛ وحين لم تعثر على سلاح في حوزتهم تركتهم رافعين الأيدي ومشت وهكذا ظلوا في وهج الشمس أكثر من ساعة وهم على هذه الحالة حتى مرت عربة جيب عسكرية نزل منها ضابط كبير واشار بيده بالانصراق قائلا لهم باللغة الإنجليزية كلمة (فكن) اي انصرف ثم اتبعها بالعربية " امشو من هون" وما أن انتهى الحاج :يوسف من ذكر هذه الحادثة حتى فرط الجميع من في الجلسة بالضحك... ...حينما يمضي فصل الصيف ويأتي فصل الخريف برياحه الباردة. كان خالي الشيخ مصطفى ينقطع عن حضور الجلسة التي يتوسطها الحاج يوسف كثير الكلام وقد كان ارتفاع أذان صوت المغرب ا يذانا. بأنتهائها و كان يقوم عادة. برفع الأذان ابو زهر الذي كان يجلس في بعض المرات هو الآخر أمام الدكان وكانت تربطه بحامد ابي ماهر علاقة. قوية لا تخلو من المزاح. فما. ان يلتقيا سويا أمام الدكان حتى تعم الجلسة البهجة والسرور وعند ذلك يطلب الحاج يوسف من العم رشدي مقدار ملعقة. كبيرة من الخميرة يسفها في فمه مع كوب ماء دفعة واحدة للتخلص من انتفاخ القولون . هكذا ظلت دكان العم رشدي َ رغم صغرها في تلك الأيام الخمسينات والستينات من القرن الماضي َمعلما تجاريا واجتماعيا بارزا في شارع يافا حتى موظفي البلدية كانوا يجدون الترحاب من العم رشدي يحتسبون الشاي أو القهوة ثم يغادرون ... عمر طويل قضاه العم رشدي في الدكان الصغيرة وقد جلبت له المحبة والاحترام بين الناس وحين توفاه الله حزن الجميع. ممن. يعرفونه على رحيله... بعد صلاة الظهر مرت جنازته. الكبيرة من أمام دكانه المغلق التي طالما جلس أمامها ورش الماء على بابها لكنها بقت في الذاكرة مكانا جميلا كان يجتمع. فيه أصدقاء رحلوا جميعا بعد أن عاشوا في ذلك الزمن الجميل...